قراءة في ثلاثية قاضي السماء ق ق ج بقلم الناقدة سعيدة بركاتي للكاتبة الهام عيسى

قراءة في ثلاثية للقصة ق ج للإعلامية إلهام عيسى /سوريا
تحت عنوان رئيس :”” قاضي السماء “”
بقلم الأستاذة سعيدة بركاتي /تونس
سأتناول القراءة قصة بقصة ثم يقع حزم القصص و علاقاتها و عناوينها ببعض و العنوان الرئيس
++ القصة الأولى
احتضان الأرض
هنا أجنّةٌ موتى يفتحون عيونهم على شتلات ياسمين مملوءة بأسرار الضوء، أرواحهم ذاكرة سينمائية تحفظ اللقطات وتدوّن أثم الأيادي، وكلُّ نفسٍ ينبض فيهم يعيد ترتيب أبجدية العالم، لذلك كُتب على مشاهدهم: ارقدوا بسلام… إلى حين.
القــــــراءة :
انطلاقا من العتبة : العنوان :”احتضان أرض ” يشعر المتلقي بالدفء و السكينة ، فالمسألة فيها عملية احتضان من طرف ” الحضن الأول” حضن الأرض الرؤوم :”إلى حضنها ” ،و هي مسألة حتمية خاصة لبني آدم ،يقول الله تعال في الآية 55من سورة طه :”منها خلقناكم و فيها نعيدكم و منها لنخرجنكم تارة أخرى.” و هذا أكبر دليل على أن أصل الإنسان هو الأرض . فالعنوان فيه إشارة إلى الموت و الأجداث و في نفس الوقت هو حضن حياة لكائنات أخرى بما فيها الإنسان كالنبات و الحيوان و كل ما تحرك على وجه البسيطة .
أشارت القاصة إلى مكان محدد انطلاقا من اسم اشارة “هنا” و هو ظرف مكان مبني للمكان القريب مما يدل قربها من نقل أحداث القصة بعينها :أجنة موتى يفتحون عيونهم على شتلات ياسمين مملوءة بأسرار الضوء :فالاشارة كانت لأجداث احتضنت الأرض : نوعها/ أجنة /أرواحها غادرت الحياة لكنها لم تنتهي بل تحولت إلى شتلات ياسمين :و الياسمين زهرة تمتاز ببياضها الناصع و هي رمز للبراءة و النقاء الروحي و لطفه ناهيك عن رائحته الزكية و الشعور الذي يبعثه في المرء من دفء و إخلاص و هي زهرة لن تنحني مهما مرت عليها الفصول كتب عنها العديد من الشعرا مثل نزار و درويش .بالعودة إلى القصة نستشعر من هذا السطر تجديدا للحياة و ربما تحدي /لا لفناء الياسمين :الأمل في القصة /مملوءة بأسرار الضوء . هذه الأجنة ذاكرة تحمل كل ما مر من أحداث و هي الشاهد على ما اقترفته الأيادي من من آثام :أولها و آخرها القتل ،فورود “ذاكرة سينيمائية “اشارة إلى أن أرواحهم مخزون بها كل التفاصيل . و ما إعادة ترتيب أبجدية العالم إلا و كل “روح” من تحت هذه الأجداث ستحيا من خلال الياسمين و تُغير في مسار الحياة و العالم .فأسرارالضوء و اقترانها بشتلات الياسمين سيأتي يوما و تفك شفرات هذه الأسرار عن طريق كشف الحقيقة كقلم القاصة في هذه القصة و هي شاهدة على أحداثها .القصة كأنها رسالة أو وعيد أو هو وعد لمن هم تحت القبور أو إلى الآثمة أياديهم أنه اليوم لناظره قريب، فالفراغ الذي جاء في النص يمكن تأويله إلى هذه الاحتمالات: ارقدوا بسلام …إلى حين /فالحياة ستتجدد مع شتلات الياسمين و أجنة أخرى ستنمو و تكبر مع هذه الشتلات فمن حضنتهم الأرض لن يغيبوا أبدا عن الذاكرة .
++القصة الثانية
ضفة أخرى
طوى الأرض تحت قدميه ورمق الشمس عابرًا، رفعتْه الريح فلبس النور طريقًا واختصر المسافات، كسر رياء التاريخ ونفض عنه الخذلان حتى صار صدى صوته تتصدّع له الجبال، جمع حطامه وامتطى الماء شراعًا، ثم عبر نحو الضفة الأخرى.
القــــــراءة :
السؤال الأول :لماذا ورد العنوان نكرة دون تعريف ؟ فنحن في مكان مبهم انطلاقا من عتبة القصة :يوحي بالضياع و الغموض و الانتظار/عنوان يجلب انتباه و فضول المتلقي ،فإلى أية ضفة ستأخذنا أحداث القصة ؟
سيتبارد إلى ذهن القارئ مباشرة التفكير في الضفة الغربية و قطاع غزة خاصة إذا تأملنا جيدا في أحداث القصة المتسارع و المكثفة الصور .طوى الأرض تحت قدميه و رمق الشمس عابرا :عادة ما تُطوى الأرض ليلا لبرودة الطقس أين تتسارع الخطوات حثيثة و كأن أجزاء الأرض كتابا تُطوى صفحاته و يضم بعضها إلى بعض : ورد هذا الفعل في قوله تعالى في سورة الأنبياء أية 104:يوم نطوي السماء كطي السجل للكتب كما بدأنا أول خلق نعيده وعدا علينا إنا كنا فاعلين . أما بطل القصة يطوي الأرض و هو يرمق الشمس :هل الشمس في رمقها الأخير،أم هو في الرمق الأخير ؟ /نستخلص تحديد الزمن ساعة المغادرة إلى الضفة الأخرى /تعبير مجازي فيه إشارة إلى الأنفاس الأخيرة أو لحظات الوداع /وداع المكان الأم :صورة للبطل فيها من الخوف و الاستعجال بالرحيل و الرغبة في الحياة . كانت الريح عونا له حين رفعته و كأن خطوته بين سماء و طين حثيثة تتحسس الطريق ،أما النور حسب رأيي ضوء القمر الذي أنار دربه :الاستنتاج الأول :تحالف عناصر الطبيعة مع البطل لتبث فيه روح التحدي و التغلب على كل الصعاب التي ستكون في طريقه :فكانت الريح تلك القوة الداخلية التي تدفعه و ما النور إلا نوره الذاتي الذي أنار له الدرب للمغادرة إلى الضفة الأخرى . كثير و للأسف من غيروا و زيفوا في التأريخ فكان صوت البطل صرخة تصدعت لها الجبال و هي صرخة حرية و ثورة لكسر و ايقاف هذا الرياء /صوت صار تتصدع له الجبال :فهو مؤثر و قادر على تغيير السائد و الطعن بالحجج في التاريخ المزيف ،فقد احتل مكانا من القوة بإرادته القوية حين قرر طي المسافات و العزم للوصول إلى الضفة الأخرى .ماذا بقي له ليحقق هدفه و العبور ؟بقي جمع حطامه أو ما تبقى له من ذكريات و المغادرة .
قد تأخذ القصة تأويلا مجازيا و ما يحدث بين ضفتين :بين الماضي و الحاضر ،بين القديم و “التجديد” :من يقف بين ضفتين و يصرخ إلى أن تتصدع الجبال و يغادر و هو يرمق الشمس :عملية انقاذ ما تبقى من شتات الحياة و لملمة الحطام ماهي إلا النفيس من الذكريات لعل يُعاد ترميمه ،و ركوب الماء هو الأمان و الاستقرار النفسي الذي يبحث عنه كل انسان ليحقق حلمه و الانتقال إلى الأفضل ،القصة بدايتها انطلاقا من العنوان كانت الضفة نكرة و عند المغادر عرفنا و البطل اتجاهه ،”إلى الضفة الأخرى:الرجوع إلى الأرض الرؤوم .
++القصة الثالثة
مدونات لوح
عبر كنسيمٍ غجريّ المسافات بكلماتٍ تامّة، وكانت أمنيته تعيد ترتيب أعمدة التاريخ وتوقظ ذاكرة النسيان، عمّدها بتراتيل دعاء ثم ركن نفسه أمام محكمة الله،قربانًا في محراب الانتظار يتهجّى أسماء الظالمين، فانتبه قاضي الأرض يدوّن، بينما ظلّ قاضي السماء يرمقه بصمتٍ لا يُؤجَّل.
القــــــراءة
في تعريف المدونات :هي سجلات يومية متاحة من خلال الأنترنات يمكن استخدامها لمشاركة المعلومات ،لكن مدونات القصة كانت على “لوح” مما يحيلني كقارئة إلى ألواح سيدنا موسى عليه السلام :فالقراءة ستأخذ “التناص” الديني في القصة :كلمات تامة /كلمات الله التامات :هي دعاء نبوي للتحصين و الاستجارة و الاعتصام بصفات الله الكاملة. عمدها /و هو من الشعائر عند إخواننا المسحيين ذُكرت في الانجيل عندما قام يوحنا المعمدان بتعميد ياسوع في نهر الأردن .محكمة الله/ومن أحسن من الله حكما لقوم يوقنون /المائدة 50 .قربانا/…إذ قربا قربانا فتقبل من أحدهما و لم يتقبل من الآخر…المائدة27 . محراب/ كلما دخل عليها زكريا المحراب وجد عندها رزقا/آل عمران37 .تهجي /بمعنى تلاوتها و التوقف عند حروفها لتعرُفها .قاضي السماء/أليس الله بأحكم الحاكمين /التين8 .
فبناءًا على ما تقدم القصة كانت مكثفة بالرمزية الدينية بين ترتيب أعمدة التاريخ/الماضي ،و إحياء الذكريات المنسية عبر الكتابة/ إحياء ذاكرة النسيان . عبر كنسيم غجري المسافات بكلمات تامة :عبور يفرق بين النسيم العادي و النسيم الغجري /العادي يكون خفيفا لطيفا في أي زمان و مكان أما الغجري فهو حامل للحرية و الانعتاق كحياة الغجر لهم تفاصلهم و حياتهم الخاصة في ترحالهم و اختيار أماكن إقامتهم :نسيم بين الجبال و الوديان / البطل في حالة تفكر حيث عبر هذه المسافات بالكلمات التامة دون حركة (باب الدعاء) و به أمنية عالقة :لو يعيد ترتيب الماضي و القديم (التاريخ) حتى تنشط الذاكرة و ينتشل ذاته من النسيان :يقول درويش :تُنسى كأنك لم تكن …ما كتبه حصنه بالدعاء و ترك الحكم بين يدي الله :مما يفسر أن البطل يعاني من الظلم و كأنه في لحظات التفكر أيقن أن لا ملجأ في هذا الكون إلا لله وحده فهو لم يملك إلا الدعاء و توكيل قاضي السماء قضيته بعد أن تهجى أسماء الظالمين /فهو لم يُظلم من طرف واحد :لم يذكر إلا التدوين عند قاضي الأرض :فتح التأويل للمتلقي /بينما كان قاضي السماء يرمقه بصمت لا يؤجل :فهذه النظرة التي لحقها الاتباع بالبصر تؤكد أن ما ودعه السماء من دعاء ثم ركن في محراب الانتظار لن يضيع بين يد حاكم الحاكمين . فالخلاصة تقول أن القصة تبحث عن العدالة التي فُقدت بين سجلات المدونين و لم يبق إلا الدعاء و التوسل إلى قاضي السماء عسى تتحقق و لو بعد حين .
++حزم القراءات و علاقة القصص فيما بينها و العنوان الرئيس :
لنتفق على حركة القصص :انطلقت من الأجداث بخطى حثيثة إلى الضفة الأخرى بين الأرض و الماء/ لتنتهي إلى المدونات التي كانت لها علاقة بالدعاء /السماء .
القصص جمعتهم الذاكرة و تصحيح التاريخ :
القصة الأولى : أرواحهم ذاكرة سينيمائية /تحفظ اللقطات و تدون إثم الأيادي
القصة الثانية : كسر رياء التاريخ
القصة الثالثة : ترتيب أعمدة التاريخ و ايقاظ ذاكرة النسيان
اشتركن في التناص الديني : لم تخلو احداهن من التناص الديني :حديث شريف ،الانجيل ،القرآن الكريم .
انطلاقا من القصة الاولى الأحبة و الأجداث التي انبتت شتلات الياسمين /الأمل مع أسرار الضوء و القفلة :ارقدوا بسلام …إلى حين
القصة الثانية :أن الشتلات كبرت و أينعت و عرفت معنى و مكان الأرض الأم فانتقلت إلى الضفة الأخرى لاسترجاعها و تصحيح مسار التاريخ
القصة الثالثة :هي المدونة التي جمعت كل أحداث القصص حين أوكل البطل قضيته إلى قاضي السماء ،مما يؤكد ارتباطهن ببعض و ارتباطهن الوثيق بالعنوان الرئيس .
كثفت القاصة من الأحداث المتتالية و المتسارعة بأسلوب الاختصار ،عرفت جيدا كيف تنتقي المفردات بتوظيف الجمل التي لها فعلية أو مبنية على الفعل و تسريدها تحبيكا و تسريدا مما أضفى حركية و دينامكية على أحداث القصص،حيث بث ما تقدم ذكره بعض التوتر عند المتلقي خاصة في القفلات المفتوحة و بعض الفراغات التي كانت بين الكلمات .

#المراجع :
https://quran.com/ar/taha/55-76

https://learning.aljazeera.net/ar/node/572

https://www.almadar.co.il/news-13,N-80024.html

https://quran.ksu.edu.sa/tafseer/qortobi/sura21-aya104.html

https://www.arabicacademy.gov.eg/ar/%D9%85%D8%AD%D8%B1%D9%83-%D8%A7%D9%84%D8%A8%D8%AD%D8%AB/%D8%B1%D9%8E%D9%85%D9%90%D9%82%D9%8E?exact_search=true

https://en-wikipedia-org.translate.goog/wiki/Blog?_x_tr_sl=en&_x_tr_tl=ar&_x_tr_hl=ar&_x_tr_pto=rq

https://www.islamweb.net/ar/fatwa/395182/%D8%A7%D9%84%D8%AF%D8%B9%D8%A7%D8%A1-%D8%A8-%D8%A3%D9%8E%D8%B9%D9%8F%D9%88%D8%B0%D9%8F-%D8%A8%D9%90%D9%83%D9%8E%D9%84%D9%90%D9%85%D9%8E%D8%A7%D8%AA%D9%90-%D8%A7%D9%84%D9%84%D9%87%D9%90-%D8%A7%D9%84%D8%AA%D9%91%D9%8E%D8%A7%D9%85%D9%91%D9%8E%D8%A9%D9%90-%D9%85%D9%90%D9%86%D9%92-%D8%B4%D9%8E%D8%B1%D9%91%D9%90-%D9%85%D9%8E%D8%A7-%D8%AE%D9%8E%D9%84%D9%8E%D9%82%D9%8E-%D9%88%D9%8E%D8%B0%D9%8E%D8%B1%D9%8E%D8%A3%D9%8E-%D8%B5%D8%A8%D8%A7%D8%AD%D9%8B%D8%A7-%D9%88%D9%85%D8%B3%D8%A7%D8%A1

https://www.google.com/amp/s/www.islamweb.net/amp/ar/fatwa/58157/

الهام عيسى
الهام عيسى
المقالات: 5420