عالم “الخيال” في وحدة الوجود عند (محي الدين ابن عربي) ..
(2)
د.علي أحمد جديد
… وكيفمـا يتم تشكيل القِيَم في مخيّلة الإنسان ، فهو لا يمكنه الهروب من النماذج الأصلية التي يقول عنها (ابن عربي) بأنها تحتوي جوهر الممكنات ، ولكن فيما يتصل بالصورة المتخيَّلَة ، والتي لا تملك نموذجاً أصلياً فإنها تفقد أهميتها لأنها تدل علىٰ العَدَم . ويرىٰ (ابن عربي) أن إنتاج الصورة الحسية يتم طبقاً لصورة مُتخيَّلَة غير ذات معنىٰ لا تملك مفهوما أبوياً يقرر وجودها ، ولكنها تملك فقط مبدأ أمومياً ، ألا وهو المنتج نفسه .
ويبدأ الخلق من خلال النَفَس الإلـٰهي بالرغم من أن لكلا الخيالين المتصل منهما والمنفصل قوّةٌ خلاقة ، لأن الآلية التي يخلق فيها كل خيال تختلف بشكل كبير . وإن الإنتاج الخيالي ليس نفسه تماماً في مستويي الوجود الإلـٰهي والبشري ، وفكرة الخيال المنفصل ليست ببساطة إسقاطاً لصفة مجسمة علىٰ العالم الإلـٰهي . ولفهم الألـوهيـة الخلّاقة للخيال المنفصل ، يحتاج المرء للتآلف مع نظرية (ابن عربي) في الخَلْـق ، وهي نظرية معقدة في الخيال وذلك استنادا الى الآية القرآنية :
“إنما قولنا لشيء إذا أردنا أن نقول له كن فيكون ” (سورة النحل الآية 40)
وإلى الحديث الشريف “خلق الله العالم من خلال نفس الرحمن ” .
فهو يقول بأن العالم قد خُلِق من خلال لفظ الكلمة المبدئية لـ “كن ” التي تتوافق مع زفير النَفَس الإلـٰهي أو النَفَس الرحماني وتجلي العالَم . ويعتبر (ابن عربي) أيضاً أن خلق العالم وتجلي الذات الإلـٰهية هي تعابير مترادفة ، لأن تجلي الذات له شكلان واضحان :
أولاً : التجلي الذاتي ، حيث يتجلىٰ المُطْلَق كالعيان الثابت .
ثانيا : التجلي الشهودي حيث يتجلىٰ المُطْلَق كالعيان الظاهري .
وكون مايحدث داخل الذات أو الوعي الإلـٰهي فعلاً إلـٰهياً ، فإن المتجلي الذاتي الجوهري لا يبرز ظاهريا في الآخرية التي تختلف عن تماثل الجوهر “العيان الثابتة ” التي تجلت بواسطة هذا الفعل الجبري ليست أكثر من أسماء وصِفات إلـٰهية . وتحدث الآخرية في تجلّي الذات الشهودي عندما ينفس الإلـٰه نافثاً القداس الأول الكثيف المضيء ،
وذلك هو النَفَس الإلـٰهي . والنَفَس الإلـٰهي مجرد أداة يتم من خلالها تجسيد الأسماء الإلـٰهية . وبالكلام عن العالم الباطني للكائن اللاصوري إلىٰ العالم المادي للوجود الصوري ، وانتقال الخيال من الحالة “الإمكانية” إلىٰ الحالة “العقلية” وذلك هو جوهر العالَم ، حيث تواجدت جميع الاحتمالات الكامنة للتجلي الصوري . حول ذلك يقول (ابن عربي) :
“فالكل في عين النفس كالضوء ويحقق العالم الأشكال المنشورة احتمالياً في النفس ، بنفس الطريقة التي يحقق النهار جميع الحوادث المرسومة التي تم الكشف عنها في فجره” .
ويشرح أكثر بقوله :
“فمن أراد أن يعرف النفس الإلـٰه فليعرف العالم ، فإنه من عرف نفسه عرف ربّـه الذي ظهر فيه “.
ويعادل النفَس الإلـٰهي الجوهر الهيولاني الذي يشمل جميع صور العالم :
“فهو كالجوهر الهيولاني ، وليس إلا عين الطبيعة ، فالعناصر صورة من صور الطبيعة وما فوق العناصر وما توَلَّد عنها فهي أيضا من صور الطبيعة وهي الأرواح العِلوية التي فوق السموات السبع ، وهو يشكّل المادة المتجاوِزة لجميع الصنائع الإلـٰهية . ويمكن أن يقارن النفَس ، فيما يتعلق بالعالم بشكل قياسي إلىٰ لون الحِبر في علاقته بجميع النصوص التي تمت كتابتها به ، أو البياض في صفحة خالية من الكتابة وعلاقته بجميع الأشكال التي تم رسمها بلونه . النفَس هو المصدر حيث جميع الممكنات تنصهر سوية في وِحدةٍ غير متمايزة . و”الخيال المُطْلَق” إذا تم إنجاز الخلْق عبر القول الأصلي وزفير النفَس الإلـٰهي ، لأن (ابن عربي) يطابق بين فعل “التنفس” وبين فعل “التخيل” لأنه من خلال “التنفس” جسَّد أشكال جميع المخلوقات ، كما طابق بين عالم “الخيال المطلق” والنفَس الأساسي ، وبين النفَس الأساسي والقيمة الأساسية .
وإن القيمه الأساسيه هي الصورة المكانيه ـ إيجابياً ـ للتجلي الكوني حيث حقائق العالم تتحول من خالة الإمكانية إلىٰ حالة الفعلية ، ومن الحالة اللاصورية الى الوجود الصوري .
“إذن إعلم ، بأن حقيقة “الخيال المطلق” هو المسمى بـ”العماء” الذي هو أول ظرف قبل كينونة الوجود .. ففتح اللـٰه تعالىٰ في ذلك “العماء” صور كل ما سِواه من العالم . إلا أن ذلك “العماء” هو الخيال المحقق الذي يقبل صور الكائنات كلها ، ويصور ما ليس بكائن ، هذا لاتساعه ، فهو عين “العماء” لا غيره ، وفيه ظهرت جميع الموجودات . وهو المعبَّر عنه بظاهر الحق في قوله (هو الأول والآخر والظاهر والباطن ) ولـهـٰذا في “الخيال المتصل” يتخيَّل من لا معرفة له بما ينبغي لجلال اللـٰه أن يتصوره . فإذا تحكم عليه “الخيال المتصل” فما ظنك بـ”الخيال المطلق” الذي هو كينونة الحق فيه ، وهو “العماء” . فمن تلك القوة ضبطه “الخيال المتصل” ، وهو من بعض وجود “الخيال المطلق” الذي هو الحضرة الجامعة والمَرتَبة الشاملة ” .
ويتساوى “العماء” مع الخيال الإلـٰهي ، ليس فقط لأنه يتلقى بشكل كامن جميع الصور ، بل لأنه أيضاً يعطي الكائنات صورهم فعليا . تلك هي إذن الوسائل التي بواسطتها تخيَّل الإلـٰه ماهيات الكائنات الممكنة مثل الصور الكونية التي يمكن تخيلها والواسطة التي تعمل لتفعيل النماذج المبهمة للحقائق الإلـٰهية مع “العماء” وفعل التخيّل الإلـٰهي ، وخِلافاً للبشري ، يظهر من دون ماهية وليس من داخل الماهية . مثل قولك بأن ذاته قد أحدث العالم في اللحظة التي تخيله فيها ، وليس طبقا لمثال متخيَّل منذ الأبد . وقبل وجودهم في “العماء” فإن صور العالم لم توجد كصور في الذات الإلـٰهية ولم يكن تَخيُّلهم آتياً في بصيرته قبل إحداثهم . وهذه النظرة تختلف بشكل ما عن تفسير (كوريين) :
“علينا أن نفكر بالأحرىٰ في عملية زيادة الإشراق والرفع التدريجي للاحتمالات الكامنة منذ الأبد في الكائن الإلـٰهي الأصلي إلىٰ حالةٍ من الاشراق ، لأن زيادة الإشراق تقتضي ضمناً وجودياً مبَطناً للصور في الماهية الإلـهية” .
بينما يؤكد (ابن عربي) علىٰ “إن الاحتمالات المستترة سرمدياً في الكائن الإلـٰهي الأصلي مثل العيان الثابتة ، عرفت من قبل أن كما كانت عليه ، وكما ستكون عليه عندما يتم حدوثها صورياً ، لكن لم يتم تصورها” .
إذاً فالمثال الأبدي للعالم هو معرفة اللـٰه ، الذي تختلف عن تخيّله في تطابق الفعل الإلـٰهي لتخيل صور العالم مع حدوثهم من خلال نفسه ، وذلك هو سبب مطابقة (ابن عربي) النفس الإلـٰهي مع عالم “الخيال المطلق” ليضع فرقاً حاداً بين
المعرفة وبين التخيل ، وانسجاماً مع هذا الفرق الذي وضعه بين “فعل المعرفة ، وبين فعل التخيل” ويميِّز بوضوح بين الصورة وبين المعنىٰ . وتُجسّد الصور معاني لاصورية وما هو متقبَّل للخيال الإنساني ، لأنه بمجرد وجود صور روحية صافية ستوجد أيضاً صور عيانية مادية ، وصور واضحة ودقيقة ، ويشكل كلاهما الصور الكونية التي تُجسِّد العيان الثابتة اللاصورية ، ولـٰهذا السبب فإن مخطط الخلق عند (ابن عربي) “الكوني” و”الصوري” هو عبارات متقابلة المعنىٰ المقبول للفكر ويمكن أن يُعرَف بدون ضرورة تخيّله . لأن المعاني الرئيسية ليست سوىٰ الماهيات الثابتة . والصور التي يتحدث عنها (ابن عربي) والموجودة في “العماء” أو “الخيال المطلق” تختلف عن الماهيات الثابتة القابلة للتمييز والتي “لم تتنشق أريج الوجود” وكأنها كامنة في الذات الإلـٰهية .
وإن الفرق بين الصورة والمعنىٰ متناغم مع ايمان (ابن عربي) الراسخ بأن المعرفة ليست صورة المعروف مطبوعة في روح العارف ، بمعنىٰ آخر ، لا يتخيّل “العارف” صورة “المعروف” . وقد وجد دعماً لإيمانه هذا في الاسم الإلـٰهي “بديع ” المذكور في الآية القرآنية :
“بديع السموات والأرض ، فإذا قضىٰ أمراً فإنما يقول له كن فيكون” البقرة 117.
وهذا الاسم مشتق من “إبداع ” الذي يعني “خَلْق شيء أصلي جديد لم يُسبَق إلى مثله ” ومنه عبارة بدعة التي تعني “الأصالة والجدة ” . وتعليقاً علىٰ الآية المذكورة يقول (ابن عربي) :
“أن خلق السموات والأرض مرتبط بالاسم “بديع ” لأنها لم تُخلَق طِبقاً “لمثال ” مسبق . طالما أن صورة الكون متطابقة مع الأعيان الثابتة في العدم فإن آتو لن يكون بديعاً ، لأنه سيكون قد خُلِق طبقا لمثالٍ موجود مسبقاً في معرفته ولن يكون هناك خلق من العدم”
يقول تعالىٰ (بديع السموات والأرض ) لأنهما خلقتا وُفق مثال . إن أول ما خَلقه كان الفكر أي القلم ، وهو أول مخلوق “المفعول الابداعي” تجلىٰ من خلال اللـٰه واسع الرحمة . وكل مخلوق ليس علىٰ مِثال يكون مُبدَعاً ، ويكون خالقه مُبدِعاً وعليه تكون المعرفة إحاطة بالمعروف كما في تعريف حَدِّ المعرفة أي أن الإنسان يجب ألا يكون مبتدعاً لأنه هو مِن روح مَن ابتدع ذلك المثال الذي بموجبه جاء إلىٰ هذا الكون . ولتحقيق هذا التعريف للمعرفة فإن ذلك يعني أن اللـٰه تعالىٰ لم يبتدعها في ذاته كما يفعل المحدث عندما يبتدع صورة لم يسبق أن جيء بها من قبل ، لكنها موجودة في ذات ذلك المصوِّر وليس من أجل أن تكون مشابهة لها بحد ذاتها ، وعليه فإن تعريف المعرفة لا يعني إعطاءها صورة الأشياء المعروفة . يكون الأمر ذاته بالنسبة للعارف فهو واحد من القادرين على إدراك الصور المتشكلة بقدرة الخيال أو ربما يكون ممن يعرفون الصور دون القدرة على تجسيدها ، أي غير قادر عن إعطائها صورة ، وهكذا فإنه بالنسبة للـٰه سبحانه إعطاء الصورة عملية تتم من الخارج وهو لا يتلقىٰ شيئاً ضمن ذاته ليقوم بتصويره علىٰ شكل صورة من الخارج ، بل هو يعرفه ويعرف كذلك أن الإبداع لا يكون ممكناً إلا في صوَرٍ بحد ذاتها أو بعينها ، وبالتالي يمكن إبداعها وخلقها . وبالنسبة للمعاني فليس منها مبتدَعاً لأنه لا يمكن خلقها وبالتالي لا يمكن إبداعها علىٰ الرغم من أنه من الممكن إدراكها علىٰ أنها ثابتة بالضرورة” .
وقد طوّر (ابن عربي) هذه النظرة من خلال تأويل الآية الكريمة :
“كل من عليها فان . ويبقىٰ وجه ربك ذو الجلال والاكرام ” الرحمن6
مُلمِّحا في نفس الوقت إلى طبيعة الصور الكونية المحتواة في “العماء” .
والحديث الشريف :
“خلق اللـٰه الإنسانَ على صورته ” نفس اللاحقة الضميرية “هي” يمكن أن تشير أيضاً إلىٰ “الانسان ” ، وفي تلك الحالة سيُقرأ الحديث ” :
“خلق اللـٰه الإنسان علىٰ صورته” أي (صورة الانسان ).
بعد ذلك أوجد في “العماء” كل صور العالم التي يتحدث عنها أي العالم بأنها زائلة ، أي أنه فيما يخص صوره إلا أن “وجهه ” أي فيما يخص الحقيقة فإنها لا تزول . ولكن فيما يتعلق بحقائقه فإن العالم ليس فانياً ولا يمكن أن يكون كذلك . لأنه إذا فنيت صورة الإنسان فلن يبقىٰ لها أثر في هذا الوجود وحقيقته التي تم تعرفها والمماثلة لحد الإنسان لن تفنىٰ . وحين نقول إن الإنسان “حيوان ناطق ” دون الإشارة الىٰ خلوده أو فنائه لأن هذه الحقيقة ما انفكت منطبقة عليه مع أنه ليس صورة في الوجود” .
بالرغم من الطبيعة الغريبة والواضحة لهذا ، فإن إيمان (ابن عربي) بتعاليمه أمر جوهري وذلك لأنه من خلالها أمكنه حل تناقض الخلق ـ عدم وحدوث العالم ـ وطبقاً لعقيدة الخلق من العدم التي تعتبر واحدة من المصادر العقائدية في الإسلام ، فإن للعالم بداية ومتكوّن له نهاية .
وفلسفياً ، فإن هذا قد يخلق مشكلة ، فوجود العالم يقدم تغييراً عَرَضياً للإلـٰه الذي وجوده الأبدي يحتم تجاوزاً لكل التغييرات والتحولات . وينطبق ذلك علىٰ نهاية وجود العالم . وهذا ما قادَ الكثيرين من فلاسفة الإسلام التقليديين للتمعن أو الحديث حول أبدية العالم ، وذلك بأن يتصاحب وجود العالم مع آتٍ ، التي بالمقابل قادت إلىٰ مسألة نهاية العالم التي باتت موضع شك . وهكذا فإن التناقض كان في كيفية أن يكون العالم أبدياً ، وذلك لا يتعارض مع تفوّق اللـٰه سبحانه . وقد شغل هذا التناقض لفترة طويلة عقول الكثير من اللاهوتيين والفلاسفة والصوفيين التقليديين ، وكانت هذه المسألة الأكثر أهمية علىٰ المستويين الديني والاجتماعي كونها ترتبط مباشرة بخلق ونهاية العالم ، وتهتم بحقيقة العدالة الإلـٰهية في الحياة الآخرة . ولا شيء يشهد بالأهمية العظيمة لهذه المسألة أكثر من المناظرة الموثقة في “تهافت الفلاسفة ” لـ(لغزالي) ، و”تهافت التهافت ” لـ(ابن رشد) ، حيث قدم كلاهما إلماعاتٍ ناضجةً وفَعّالةً واستهلكا في محاولاتهما لإضعاف نظرية كلٍّ منهما للآخر بخصوص هذه المسألة . وإن حججهما تترك المرء بحِسٍّ من الشك والرغبة أكثر بالطريقة التوفيقية ، وجاء ذلك من خلال مفهوم “الخيال” عند (ابن عربي) بأن هذه القضية المتناقضة والمثيرة للنزاع قد وصلت إلىٰ حالة من التوفيقية الإيجابية . ومن خلال البناء الوجودي لعالم “الخيال” ، كان قادراً علىٰ التأكيد للوجود الأبدي للعالم في المعرفة الإلـٰهية كعيان ثابتة ، بالإضافة إلىٰ المبدأ الإسلامي في الخلق من العدم .
وإن عبارة الافتتاحية في كتاب “الفتوحات” تلخص رؤية (ابن عربي) ببلاغة :
“حمداً للـٰه الذي خلق الوجود من العدم وعدم العدم ” ، حيث يثبت العدم الأول حداثة العالم في الخلق من العدم ، أما العالمان التاليان فيؤكدان أبديته” .
المراجع :
============
“المجلة البريطانية للدراسات الشرق أو سطية ” .
أبو العلا العفيفي ، مقدمة “فصوص الحكمة ” ص 5.
ابن عربي ” التدبيرات الالهية “.
ابن عربي “الفتوحات المكية” (بيروت دار صادر) ج 2ص 3ا3 .
فصوص الحكمة ج ا ص 104.
رسائل اخوان الصفا” ج 3 ص 16 4 (بيروت دار صادر).
الفتوحات ج 1 ص 163.
عفيفي «فصوص الحكمة » ج 1ص 145.
كوريين ص 185 .
معجم الجحيم : دينامية الترحّل وشعرية العزلات .
مجلة نِزوىٰ .
lights - إضاءات
اضاءات - موقع أخباري متنوع
lights - إضاءات
اضاءات - موقع أخباري متنوع





