عالم الخيال في وحدة الوجود عند محي الدين ابن عربي (1) بقلم د علي أحمد جديد

عـالـَم الخَيـال في “وحـدة الوجـود” عـنـد (محي الدين ابـن عربي) ..

د.علي أحمد جديد

إن للتـجريـد دوراً أساسيـاً في خـيـال “وحـدة الوجـود” عـنـد (ابـن عربي) ودوراً رئيسيـاً ، ويبـدو أنـه المَـصـدر الخَلَّاق للتَجلّي والسبب القوي الذي يُمَكِّنُنا من البقـاء بحالة تواصل مستمر مع المُطْلَق . لقـد نجح ابن عربي عبـر مفهوم الخيـال أن يُميِّزَ بين آليتي الخَلْق الإلـٰهي وبين الخَلق الإنساني ، الاختلاف الذي استخدمه لحل التناقض بين قِدَم وحدوث العالم . وفي مظاهر مفهوم الخيال المعقَّد عند ابن عربي يكون في توضيح الأبعاد المُبهَمة والوجودية التي تتبنى منهجاَ تأويلياَ للنصوص الأصلية ، مع التأكيد علىٰ شروط التأويلية التي تتأثر بالاستغراق في الإبداع الفني والرغبة بفهم آلية الخَلْق علىٰ مستويي القداسة والانسانية بإطار وجودي أوسع من مجرد الاحتمالات التاريخية .
وابن عربي ، هو واحد من أكثر الشخصيات المؤثرة في التاريخ الإسلامي . ولد في مرسيليا الاسبانية عام 560هـ 165م ، ويعرف بين الصوفيين بالشيخ الأكبر لأنه أمضىٰ جُلَّ حياته بالسفر عبر العالم العربي وتواصل مع معظم الثقاة الروحيين البارزين في ذلك الوقت ليستقر في دمشق حتىٰ وفاته فيها عن عمر ناهز الثامنة والسبعين عاماً منعام 638هـ/ 1420م ، ودفن في جبل قاسيون في ضاحية حملت اسمه منذ ذلك اليوم (الشيخ محي الدين) . ترك ابن عربي مجموعة ضخمة من المعارف التي بلغت نحو مئتين وتسعة وثمانين كتاباّ ورسالة ، أو خمسمائة كتاباً ورسالة حسب قول (“عبدالرحمن جامي صاحب كتاب “نفحات الأنس” ، أو أربعمائة كتاباً كما يقول الشعراني في “اليواقيت والجوهر” .
إن طبيعة المواضيع المعقَّدة التي تعامل معها (ابن عربي) ، والأعمال الضخمة التي كانت تحت عناوين “الفتوحات المكية ، “تفسير القرآن ” الذي يقول فيه صاحب “فوات الوفيات ” أنه يبلغ خمسة وتسعين مجلداً ، ومنها “فصوص الحكم ” و”محاضرة الأبرار” و”إنشاء الدوائر” و” عقلة المستوفز” و”عنقاء مغرب ” و” ترجمات الأشواق ” و “مناهج الارتقاء”(2) .. وغيرها ، قد قدَّمت إسهاماتٍ ضخمةً في الفلسفة الإسلامية .
وفي مقدمة ترجمته لـكتاب (ابن عربي)” فصوص الحكم ” ، يعتبر المستشرق البريطاني (رالف أوستن Ralph Austin) أن الفيلسوف (ابن عربي) يمثل “الذروة ” ليس فقط في الشروحات الصوفية ولكن أيضاً في التعبير الفكري عن الديانة الإسلامية . وبأنه قد جَسَّد من خلال كتاباته وتعاليمه “وجهة نظر” حول الكون كله وكانت مُحكَمَة ومتماسكة بناها علىٰ بنية وجودية مُعقَّدَة حملت نظريته حول “وحدة الوجود” التي تُغني المعرفة الفلسفية ، واللاهوتية ، والعلمية ، واللغوية ، والتجريدية ، والباطنية مطوِّراً إياها إلىٰ نظريةٍ متعددةِ الأبعاد وشديدةِ التماسك . وقد ازداد ـ مؤخراً ـ الاهتمام بكتابات (ابن عربي) في العقود القليلة ، وخصوصاً في الغرب ، إلا أن طبيعة موضوعاته الصعبة والمعقدة جعلت الكثير من أعماله متعذراً فهمها بشكل جيد للقارىء غير العربي .
ومهما يكن ، فإن بعض الدراسات العميقة لتجارب ابن عربي الفلسفية والباطنية متوافرة باللغات الأوروبية ، من بينها دراسة (كوريين) “الخيال الإبداعي في صوفية ابن عربي” وكذلك دراسة (وليام تشيتيك) “طريق المعرفة الصوفي”
التي وضع فيها (ابن عربي) في النَّسَقِ الفلسفيِّ للتاريخِ الغَربيِّ ، والتي تطرحُ أنَّ فكرةَ البرزخ تمثِّل حلًّا حيويَّا لمشكلة تعريف ما لايمكن تَعَريفه ، تلك المُعْضِلة التي كانتْ حَجَر عَثْرة في طريقِ “نظريَّة المعرفة” منذُ (أرسطو) ، وأدَّتْ إلىٰ حالةٍ من اليأس بين الفلاسفة المعاصرين أمثال (روتيRorty) .
كما أسَّس مُسْلِمُو الصِّين – في القرن الثامن عشر والتاسع عشر – مدرسة الفلسفة الصينيَّة “كتاب هان the Han Kitab” التي تستمدُّ أفكارَها من تراث (ابن عربي) وقدَّمَتْ رؤيةً إسلاميَّةً للعالَم من خلال فكر (كونفوشيوس) .
يلعب الخيال دوراً رئيسياً في نظريته “وحدة الوجود” كمَصدَرٍ خَلّاق للتجلي ، والسبب القوي الذي يُمكِّننا من البقاء في حالة تواصل مستمر مع المُطْلَق ، لأن (ابن عربي) يعتبر الخيال وسيلةً معرفية أساسية وأن الذي لا يعرف منزلةَ الخيال ، خالٍ من المعرفة . بينما يرَكِّز (كوريين) في دراسته للخيال بشكل أساسي علىٰ الدور متعدد الأبعاد في تحقيق التجربة الباطنية :
“عملها في البحث في أصل الآلهة وفي نشأة الكون ، ودورها المعرفي في التجلي ، وتوسطها في الحوار بين الإلـٰه والإنسان ، المعبود والعابد ، المحبوب والمحب” .
كما يؤكد (كوريين) علىٰ الفرق بين الخيال وبين الخيال الجامح . لأن الخيال يَستمد قوَّته الخلّاقة من امتيازاته الوجودية ، أما “الخيال الجامح” فهو ممارسة الفكر بدون وجود أساس له في الطبيعة ، إنه “حجر زاوية الجنون “.
كما ركز (وليام تشيتيك) في دراسته على العلاقة بين الميتافيزيقيا وبين الخيال موضِّحاً طبيعة الخيال الوجودية ودورها في فهم وجودية (ابن عربي) ، مُبالِغاً باهتمامه بفِكر (ابن عربي) كما جَسَّده هو وغطّىٰ مساحةً أكبر من كتاب “الفتوحات ” في مناقشة مفهوم الخيال من تلك التي غَطّاها (كوريين) في دراسته . ومهما يكن ، فإن التأويلات تتوسع في تفسير مفهوم الخيال بتجاوز الحدود المحافظة للتفسيرات النصية لـ(تشيتيك) . ولكن كلتا الدراستين لكل من (كوريين و تشيتك) في مفهوم الخيال عند (ابن عربي) بحاجة لتوضيح نقطتين :
* الأولىٰ هي ، الفرق بين آلية الإبداع عند الإنسان والخيال الإلـٰهي .
* الثانية هي ، الطريقة التي يحل بها مفهوم الخيال ذلك التناقض بين القِدم وبين حدوث العالم ، وهذان المفهومان مترابطان بشكل لا يمكن فكاكه بسبب الاختلاف الذي أسسه (ابن عربي) بين الخَلق الإنساني وبين الخَلق الإلـٰهي الذي يستعمله لحل فكرة “الخلق من العدم ” ، وذلك بالتركيز علىٰ الوظيفة الإبداعية للخيال . وتُظهِر هذه الدراسة بحث كلٍّ من المفهومين وتجسيد أبعاد الخيال المبهمة والوجودية التي يعزِّزها (ابن عربي) متجاوزاً حدود علم النفس البشري ، لأن الدراسة تتبنىٰ المنهج التأويلي للنصوص الأصلية ، وذلك بعد التأكيد علىٰ الحالات التأويلية أكثر من الاحتمالات التاريخية . وفي هذه الحالة يكون الشرط التأويلي متأثراً بالإبداع الفني وبالرغبة في فهم آلية الخيال الإبداعية علىٰ كلٍّ من المستويين الإنساني والإلـٰهي وذلك في إطارٍ أوسع مما يحدث به .
يبدأ (ابن عربي) التراتبية الوجودية المعقدة بالتمييز طبقياً بين ثلاثة مستويات كونها أُولىٰ المُدرَكات (المعلومات ) حول الوجود الكوني والتي هي :
1- الوجود المُطْلَق الذي هو واجب الوجود لنفسه .
2- العَدم المُطْلَق وهو العدم لنفسه . 3- الفاصل الذي يتم بواسطة تمييز أحدهما عن الآخر .
ويطلق (ابن عربي) علىٰ ذلك الوسيط اسم “البرزخ” لأنه الفاصل بين الأمرين والتوسط بينهما في نفس الوقت . ومفهوم “البرزخ” كعالَمٍ وسيط مشتق من القرآن الكريم الذي أشار إلىٰ طبيعته :
“بينهما برزخ لا يبغيان “.
لأن طبيعة البرزخ متحدة – منفصلة تجمع كلا الحقلين دون أن تسمح لهما بالامتزاج ، ولأن العالم الوسيط لـ”البرزخ” يشكل الخط الفاصل بين المُطْلَق وبين العَدَم . كما يمكن إدراك الخط الفاصل بين الضوء وبين الظل ، فهو يُحدِّد نطاق البُعدَيْن المتلازِمَين ، ويمنع أحدهما من تقييد خصائص الآخر ، كما يؤكد علىٰ أنه وبالرغم من مواجهة “البرزخ” وينك الحقلين المستقلين ، فهو ليس وسيطاً ثنائي الجانب ، مايعني أن الوجه الذي يقابل أحد الحقلين يختلف عن ذلك الذي يقابل الحقل الآخر ، وعلىٰ عكس ذلك ، فإن الوجه الذي يقابل أحد الحقلين هو نفسه الذي يقابل الآخر ، أي أن هناك برزخاً ضمن برزخٍ آخر ، و”البرزخ” نفسه ينقسم إلىٰ ثلاثة حقول ، منه حقلين مستقلين ، والثالث هو الحقل الوسيط الذي يجمعهما ، بينما يظهر بأن “البرزخ” هو وجود واحد ، وهذا الوسيط الموحد الذي يجب اعتباره بـ”البرزخ” الحقيقي . ويرى (ابن عربي) أيضاً ، أن العالم الوسيط لـ”البرزخ” يتم بواسطته خلق وإنتاج العالَم ، لأن طبيعته المُوحَدَة _ الانفصالية – هي المسؤولة عن تحويل ثنائية كلٍّ من المُطلَق والعدم إلىٰ شكل منتج ، ولأنه بـ”البرزخ” فقط يتم انتقال العالم من الإمكانية إلىٰ الوجود الفعلي ، ويصبح العالم كما لو كان نتيجة تزاوج خصب بين المُطْلَق والعدم .
ومن خلال هذه العلاقة المنتجة يُميِّز (ابن عربي) ذلك النموذج الذي يمكن اعتباره المفهوم الأساسي للكون والمتكشف عبر العلاقة الحقيقية بين التثليثي والتربيعي ، حيث يتحدد التثليثي بالحقول الثلاثة التي هي :
“المطلق ، والعدم ، والبرزخ” .
بينما يكون التربيعي عبارة عن ثنائيةِ مشاركةِ “البرزخ” مع الحقلين الآخرين . وهكذا ، يكون التربيعي صِفةً ملازمة ضمنياً للترتيب الذي يجعل من تلك الحقول الثلاثة مولدة ومنتجة . وقد عرض “ابن عربي” كيف انعكس ذلك النموذج المولد مباشرة في القياس المقولي مقرراً العملية المنتجة للتفكير القياسي في استنتاجٍ يفترض وجود مُقدِّمتين منطقيتين :
“كل حيوان له جسد – مقدمة منطقية رئيسية – . والإنسان حيوان ـ مقدمة منطقية ثانوية ـ وبذلك ، يكون الإنسان كنتيجة منطقية يملك جسداً ” .
وتتألف هذه العملية الذهنية من ثلاثة عناصر واضحة هي : مقدمتان منطقيتان ، تمثلان المطلق والعدم ، والنتيجة المتمكنة بالعالم . والنتيجة هي نتاج التزاوج بين المُطْلَق وبين العدم . ولكن ثمة عنصراً خفياً رابعاً لا يمكن وجوده بدون حدوث هذا التزاوج ، والذي هو مفهوم “الحيوانية ” المتمثل في “البرزخ” الذي يتوسط المقدمتين المنطقيتين ، ويتجلىٰ في تكرار كلمة “حيوان ” في كِلْتَي المقدمتين . ذلك التجلي المزدوج لكلمة “حيوان ” في كلٍّ من المقدمتين المنتجتين ، فيكشف ظاهرياً تلك العلاقة المبدئية بين التثليثية الواضحة وبين التربيعية الضمنية بطريقة عكسية ، فتصبح التثليثية ضمنيةً في العناصر الواضحة “انسان ، حيوان ، جسد”، وتصبح التربيعية واضحةً أيضاً في تكرار كلمة “حيوان ” مرتين فعلياً :
* المقدمة ( 1) لكل حيوان جسد .
* المقدمة (2) الإنسان حيوان .
* النتيجة : للإنسان جسد .
وبناء علىٰ هذا الترتيب ، يرىٰ (ابن عربي) أن العالم المتجلي يكون ثلاثيا :
* عالَم أعلىٰ ، وهو عالَم ” الغيب” أي الكائن الروحي للمعاني المثالية .
* عالَم أدنىٰ ، وهو عالَم الشهادة أي الوجود المادي للأشكال المحسوسة ، وعالَم الأجساد التي يتم إدراكها بالبصيرة والتي كان يتم تصورها سابقاً بالتبصر .
* عالَم وسيط ، وكما هو الحال مع المطلق والعدم فإن العالمين ينفصلان ويرتبطان بنفس الوقت بوسيط يدعوه (ابن عربي) بـ “عالم الخيال” . الذي يقول عنه بأن “عالم الخيال” يجمع حدود الحقلين له ، وهو المكان الروحاني”غير المرئي” حيث يتحد مع مادية “المرئي” ليخلق وحدة “الخيال” . أي ، إنه المستوىٰ الوجودي حيث تتحد الأرواح الحسية مع المعاني المجردة لتتخذ أشكال أجسادهم . و”عالم الخيال” هو عالم الأحلام حيث يكون شيء مثل الشبح الذي لا يمكن لمسه يمكن الوصول اليه . كما أن الأشكال المُتَخَيلَة مثل الأحلام ، لها خاصية شبحية قابلة للادراك بدون حضور مادي . وهي ليست بالحسية الصافية ولا بالمجردة الصافية . مثل الصورة في المرآة إنها مرئية ومع ذلك هي ليست هناك ، مرئية بدون جسد حسي كسراب خادع ، موجود ولا يمكن الوصول إليه . وتلك هي صفات عالم “البرزخ” للخيال حيث تستمد الصور الخيالية طبيعتها الخادعة من وظيفتها التوسطية بين المجرد والعياني ، وبين الروحاني والمادي ، كما بين الدلالي والحسي . و”الخيال” هو وجود حل هذه الازدواجية التي يتجسد فيها المُجرَّد ويتجرد فيها المجسَّد . والخيال هو العالم الذي يتم فيه تزاوج الشكل بالمعنىٰ ليُنتِجا عالَماً جديداً يَتحِد وينفصل ، في نفس الوقت ، عن حَقلَيه الوالدين ، تماماً مثل نقطة الشفق التي يتحد وينفصل فيها النور والظلام بنفس الوقت .
وعن “المطلق ، والخيال المنفصل ، والخيال المتصل” يقول (ابن عربي) :
“فإن قلت وما عالَم البرزخ قلنا عالَم الخيال” .
ووفقا للترتيب فهنالك برزخان : أحدهما يتوسط بين المطلق والعدم ، والآخر بين مستويي الوجود الروحاني والوجود المادي . وقد ميَّز (ابن عربي” بين نوعي “البرزخ” آخذاً بعين الاعتبار ذلك الذي يتوسط المطلق والعدم ، ليكون في مرتبةٍ أعلىٰ ، وهو الذي يقول عنه (ابن عربي) بأنه “برزخ البرازخ ” . والسؤال هو :
ـ إذا كان “عالم البرزخ” ليس سوىٰ “عالم الخيال” ، فهل هناك عَوالِم مطابِقة أو ترتيب أو مستوىً وجودي مختلف ؟.
لتكون الإجابة بوجود مستويات مختلفة للخيال : الخيال المطلق ، الخيال المنفصل ، والخيال المتصل . بحيث يتطابق المستوىٰ الأول مع البرزخ الأعلىٰ ، والمستوىٰ الثاني مع الأدنىٰ ، بينما يرمز الثالث إلىٰ المستوىٰ البشري للخيال في إطاره السيكولوجي لأن “البرزخ” هو الوجود بين مادية وروحانية الإنسان . بينما يوضح تشيتيك في كتابه “طريق المعرفة الصوفية ” هذا التطابق بالتمييز طبقياً بين ثلاثة شواهد كلاسيكية مختلفة والتي يصبح فيها الخيال مدركاً . ففي الخيال المطلق يكون الوجود متطابقاً مع الخيال ، وفي الخيال المنفصل يكون العالَم الوسيط بين الروحي وبين المادي عالَماً خيالياً ، وفي الخيال المتصل حيث يتم اعتبار الروح البشرية كحقيقة متميزة عن الروح والجسد المتصلين بالخيال . وإن العلاقة بين العوالم الثلاثة للخيال أو بين مستويات “البرزخ” ليست مستقلة ولا متقابلة ، بل هي علاقة احتواء حيث كل منهم محتوى ضمن الآخر ، حين يقول (ابن عربي):
“فاعلم أنك خيال ، وجميع ما تدركه مما تقول فيه ليس أنا خيال ، فالوجود كله خيال في خيال” .
حمل (ابن عربي) في كتاب “الفتوحات ” حضرة الخيال دلالاتٍ كثيرةً وأعطاه أكثر من معنى ، وبذلك جعل التطابق بين التراتبية داخل “عالم البرزخ” وبين التراتبية داخل “عالم الخيال” أكثر تعقيداً وغموضاً من العلاقة البسيطة . بينما يكتسب “عالم البرزخ” ميزته الرئيسية من دوره التوسطي ، وللخيال قوّة خلّاقة ، ولهذا السبب فإن العالم الذي ينتجه يملك بالإضافة إلىٰ دلالته التوسطية ارتباطاً بالدلالة الإبداعية . وإن التطابق في التراتبية الموضحة يكون مفهوماً عندما تتم دراسة “عالم الخيال” من وجهة نظر وظيفته التوسطية كـ”برزخ” وليس كـ”نتاج” للقوّة الخلّاقة للقدرة أو الخاصية . وعندما يتم فصل “الخيال” عن مصدره الخلّاق ، يترك المرء مع الهرم الوجودي الذي يستلزم خاصتين خلّاقتين “الخيال الإلـٰهي والخيال الإنساني” وثلاثة عوالم من الخيال .
وإن الاستقلال الوجودي هو المتصل النسبي الذي يخضع لقوّة الخيال ـ سواء كان بشرياً أو إلـٰهياً ـ استناداً إلىٰ مقدرته الإبداعية ، وذلك مايحمل على التساؤل حول الافتراض الوجودي للمستويات التي لا تبدو بأنها تتصل مباشرة بالمصدر الخلّاق . وبمعنىٰ آخر ، فإن الحالة الوجودية للخيال المنفصل فيما يتعلق بالخيال المطلق أو بالخيال المتصل ، تثير تساؤلاتٍ ليس فقط حول من يتخيل في تلك المرتبة ، ولكن أيضا حول الآلية الإبداعية لعالمه ، ونَصُّ “الفتوحات ” واضح لا لبس فيه بخصوص هذه المسألة ، حيث يناقش (ابن عربي) اختصار “الخيال المتصل والخيال المنفصل” ويشرح بتفصيل أكبر “الخيال المطلق” ويعلّق الخيال المطلق بالخيال المتصل دون مناقشة طبقيةِ العلاقات بين “الخيال المطلق” وبين “الخيال المنفصل” . ويميّز (ابن عربي) مفهوم الخيال في “مقدمة الفصل” الذي يناقش فيه العوالم الثلاثة للخيال ، فيشير إلىٰ الخيال بعالَمَيه المتصل والمنفصل فقط . وفي هذا السياق ، فإن عالم الخيال من وجهة نظر مصدره الخلّاق ، يدفع لدراسة عالَمَي الخيال المتصل والمنفصل لأنهما يرتبطان بكلٍّ من “الخلق الإلـٰهي والخلق الإنساني” . لأن “الخيال المتصل ” يرتبط بالروح الإنسانية بينما يرتبط “الخيال المنفصل” بالذات الإلـٰهية . وبذلك يكون كلاً من الخيالين المُطْلَق والمُنفصِل تابعين للمصدر الإلـٰهي الخلّاق ، بينما تكون الروح الإنسانية ومقدرتها التخيّلية تخص البشر ، ويكون الخيال الأول هو “الخيال المنفصل” والثاني هو “الخيال المتصل” .
يوضح (ابن عربي) أن قوَّتنا في تخيّل الأشياء ، وقدرتنا علىٰ إدراك صورها المفصولة عن الأجساد الحسّية تخص “الخيال المتصل ” . ويكون متصلاً لأنه كما يوضح (كوريين) :
” هو خيال يتحِد مع الموضوع المُتخَيَّل وغير قابل للانفصال عنه . وثمة “خيال تابع ” لأنه يعتمد في وجوده على “الخيال المنفصل” الذي يُدعىٰ بالخيال المستقل أو الخيال المُفصَّل الذي يشير إلىٰ حالةٍ وجودية أعلىٰ لكائن يشكل العِلَّة الأولىٰ بوجود كل الصور التي يمكن تَخيّلُها” .
وبذلك تكون الصور المدركة بالخيال المتصل أو الخيال التابع قد استُخرِجَت بواسطة الحواس من الصور الطبيعية التي تشكِّل جزءاً من صورٍ كونيةٍ تَخصُّ حضرةً قائمةً بذاتها ومنفصلةً عن الموضوع المُتَخيَّل . وذلك ما يُعرِّفُه (ابن عربي) بـ “الخيال المنفصل ” لأنه حضرةٌ مستقلة منفصلة عن انعكاسه الأدبي “الخيال المتصل ” . والخيال المنفصل هو خيالٌ إلـٰهي ، بينما يكون “الخيال المتصل” خيالاً إنسانياً يتخيَّل فيه الإنسان صور الكائنات التي تُبعَث إلىٰ الوجود بواسطة القوّة الخلّاقة للخيال الإلـٰهي ، لأنه في حضرة الأشياء في العقل الانساني ، يعتمد “الخيال المتصل” على “الخيال المنفصل” ، والعمل الإنساني في التَخيّل مجرد مشاركة في النهاية ، وبذلك يقول (ابن عربي) :
“أدمِن هذا الخيال المنفصل يأتيك الخيال المتصل” .
وبالرغم من أن كليهما يملك الطاقة الخلّاقة ، فإن الخيالين المنفصل والمتصل يختلفان جوهرياً . فعالم الخيال المنفصل ذو حضرة مستمرة أما عالم الخيال المتصل فحضرته مؤقته ، ويستمد الأول استمراريته من السرمدية الإلـٰهية بينما تعكس أنية الأخير طبيعة الإنسان سريعة الزوال .
أما الفرق بين الخيالين المتصل منهما والمنفصل هو أن “الخيال المتصل” يتلاشىٰ عندما يتلاشىٰ الشخص المُتَخيِّل ، بينما يكون “الخيال المنفصل” حضرةً ذاتيةً تستقبل بشكل مستمر معاني وأرواحا ، لذلك تجسدها بمقدرتها الخاصة .
وكحضرة مؤقتة ، يُقسِّم (ابن عربي) الخيال الإنساني إلىٰ نوعين :
“الحالم ، والمُتخيِّل” . فيكون الأول فعلاً لا إرادياً ، بينما الثاني إرادي وعن سابق تصميم . والفعل الإرادي المُتخيَّل يستلزم الاحتفاظ بالصور المُدرَكة بالحواس عن طريق القوّة المصورة . لأن مفهوم الخيال المتصل عند (ابن عربي) يشابه في بُنيته الوظيفية نظرية الخيال عند الكثير من الفلاسفة المسلمين التقليديين . وهو يفهم الخيال بأنه قوة بشرية قادرة علىٰ استقبال صور جميع الأشياء المحسوسة ويمكن تخيّلُها عندما لا تتصل مع الحواس ، والقدرة علىٰ التخيّل أو التوهم بعد إدراك المكونات الأولية بواسطة الحواس التي تملك حقائق متماثلة مع تلك التي لا تملك القدرة علىٰ ذلك . وبمطابقة الفكرة التقليدية للصورة والمادة ، فإن طبيعة الخيال تقارَن قياسياً بمادة رقيقة جداً تدعم الصور المُتخيَّلَة والمنفصلة بواسطة الحواس عن عادتهم المحسوسة ، وبذلك تندمج وتنصهر بسهولة ، لأن الطبيعة الخلّاقة للخيال تعطي القوة في التعامل ببراعة مع الصور المُجرَّدَة بأية طريقة يمكنه تصوّرها .
ويتم إدراك القوّة الخلّاقة للخيال البشري بالمقدرة علىٰ تحليل الصور المتاحة وبناء أشكال ذات معنىٰ لأنها الأساس الجوهري لكل إبداع ، ويؤكد (ابن عربي) علىٰ أن الحواس قد لا تدرك الصور الجديدة المؤلَّفة من قبل الخيال البشري في صورهم المؤلّفة ، فإن مُكوِّناتها الأولية يجب أن تُدرَك حسيّاً ، ولا يستطيع الخيال البشري التعامل مع أي شيء لا يملك شكلاً حسيّاً ولو بصورة جزئية . وهذا يعني أن الخيال الشخصي مُقيَّد بقوةٍ إلىٰ العالم الحسي لأن جميع البيانات الأولية التي تملأ خزان المُخيِّلَة مقيدة بالحواس من خلال التواصل مع العالم الظاهري ، وبذلك فإن الخيال يعجز عن الخلق من العدم .
وهكذا فإن قوة التخيل البشرية تذوي مقارَنةً بقوة التخيّل الإلـٰهية التي تنتمي إلىٰ “الخيال المنفصل” . وبالرغم من الاحتمالات اللانهائية المتوافرة للإلـٰه ، فإن الصور المؤلَّفة من الخيال الإلـٰهي تنكشف من خلال عملية التجلي وتتبع مسارات محددة . وإذا كان الخيال الإنساني قادراً علىٰ تأليف صوَرٍ غيرِ محدودة كما وصفها “إخوان الصفا” بأنها الصورة التي تحلل حقائق مطابقة وتلك التي لا تملك حقائق أو نماذج بدئية ؟!.
إن عالم “الخيال المنفصل” عند (ابن عربي) يمكن رؤيته كمسيطر علىٰ “الخيال المتصل” البشري بوضع شيفرة ثابتة تتألف محتوياتها من حقائق كونية تمنع الخيال البشري من الانحطاط إلىٰ نوع من الوهم ، وإن المشاركة بعالم الحقائق هذا يُمكِّن الخيال البشري من أن يصبح مصدراً قَيِّماً للمعرفة عندما لا يذعن لحقائق تلك الشيفرة ، أو أن يتحوَّل إلىٰ وَهْمٍ مُحرَّفٍ عندما لا يذعن . وتعاليم (ابن عربي) توضِح بأن الشخص الجاهل هو الشخص الذي يتحدث ويعتقدُ جازِماً بكل ما يصوِّره في روحه ، بينما لا يمتلك لِما صوَّره أي صورة مطابقة غير ذاتها . وإن الصورة المُتخيَّلَة التي ليس لها حضرة وجودية تحدد وجودها ، يتم انتاجها بالجهل ، ومنتجها جاهل ، وكما يقول (ابن عربي) :
“وأي شيء لا يملك أي صورة غير التي في روح قائلها تتلاشىٰ من الوجود مع تلاشي قوله أو تلاشي تذكره لِما هوىٰ من حديثه ، لأنه لا يملك حضرة وجوديه تحدِّد وجودَه” .
ـ يتبع ـ
المراجع :
============
* “المجلة البريطانية للدراسات الشرق أو سطية ” .
* أبو العلا العفيفي ، مقدمة “فصوص الحكمة ” ص 5.
* ابن عربي ” التدبيرات الالهية “.
* ابن عربي “الفتوحات المكية” (بيروت دار صادر) ج 2ص 3ا3 .
* فصوص الحكمة ج ا ص 104.
* رسائل اخوان الصفا” ج 3 ص 16 4 (بيروت دار صادر).
* الفتوحات ج 1 ص 163.
* عفيفي «فصوص الحكمة » ج 1ص 145.
* كوريين ص 185 .
* معجم الجحيم : دينامية الترحّل وشعرية العزلات
* مجلة نِزوىٰ

الهام عيسى
الهام عيسى
المقالات: 5433