
بلاغة ولغة الجسد في قدر اكبر بقلم وردة عون للكاتبة الهام عيسى
بلاغة الجسد و لغة الجسد
قراءة تحليلية في” قدر أكبر” للكاتبة الهام عيسى.
*كثيرا ما تستعمل تيمة الجسد في الأدب بكل أجناسه، كعلامة سيميائية و توظيفه كرمز أو إشارة لغوية غير لفظية ،لما له من دلالات رمزية من خلال الإيحاءات والإيماءات والحركات …..
*وأنا أقرأ للققجية الماتعة للكاتبة الدكتورة الهام عيسى الموسومة ب” قدر أكبر” استوقفتني لفظة الجسد وتوظيفها كتيمة سردية ،إضافة لاستخدامها لغة الجسد في أكثر من موضع. واستخدامها للحقل المعجمي له مشفوعا بأوصاف ودلالات عديدة: ذراعيه/ وجهها الندي/ جسدها النحيل /جسدها الطري الندي/رأسه/أطرافه/ قلبه/وجهها الملائكي/ وجهه.
*استهلت الكاتبة بتصوير سردي لمشهد الخيمة المهترئة من جراء الرياح العاتيةوالعواصف والثلوج،والقصف، وحالة البؤس ،ثياب ممزقة،حذاء،هيكل،ركام ودمار يغطي المكان.
الجسد كحالة إنسانية مضطهدة:
عرجت الكاتبة مباشرة إلى تصوير حالة الجسد المتهالك، المعذب ” اثنان من الكيلومترات قطعها سيرا على الأقدام،ماشيا بين الركام” وهنا تتيح للقارئ تخيل المنظر وهو يقطع المسافة بشق الأنفس، والصورة الموحية بالعذاب في السير و التعثر وعسر التنقل لأن المكان محاطا بالركام وبقايا الأشلاء والدمار وهياكل الموتى،وهنا تتحول ثيمة الجسد إلى لغة رمزية،تدل على الإنسانية المضطهدةالمعذبة.” يهوى بين الحفر الممتلئة بالثلوج” إحالةعلى فعل السقوط وعدم القدرة.
الجسد كرمز للوطن: الجسد المتعب، في الققجية ليس فقط هو جسد وكيان عضوي بل يقابله كيان ووجود يبحث عنه ،فالجسد هنا مقابل الوطن ” ذاك ما تبقى من وطنه الذبيح”
الجسد كفعل مقاومة: أجادت الكاتبة تصوير الجسد بسيميائية رائعة تتكئ على لغة جسد شعرية حين تقول ” تباغته الرياح، تارة يهوى بين الحفر الممتلئة بالثلوج،يتشبث بجسدها الطري الندي،وطورا يرفعها على رأسه،وطورا آخر يقبض عليها بين بذراعيه”
ولعل فعل التشبث هوفعل مقاومة وصمود، لا استسلام ولارضوخ رغم كل شيء، وهنا ربما يرمز الجسد إلى الوطن والتمسك والتشبث بالأرض ،وقد وظفت الجسد الأنثوي” جسدها الطري الندي” وهنا ربما كانت تقصد طفلة صغيرة لا تقوى على السير ،وكان يساعدها والدها ،تارة يرفعها على رأسه وطورا يقبض عليها بين ذراعيه،وهنا الفعل يقبض يدل على قوة التشبث والتمسك،رغم ما يعانيه من نصب وتعب ومشقة.
الجسد كصورة من صور الألم: توظيف جدلية الجسد والألم ،الجسد مشحون بالوجع،بالقساوة ليس فقط قساوة الأعداء بل قساوة البرد القارس الذي زاد على معاناتهم،” تكاد أطرافه تتجمد من الثلوج الباردة ،وقساوة البرد القارس طول الخطى”، لكنه رغم ذلك كان يرطب وجهها الندي وجسدها النحيل بدموعه الدافئة،
تصوير حسي بليغ لمشهد يزعزع جسد القارئ، بلغة شعرية تلامس وجدانه وكيانه، وتوظيف رمزي للجسد ”
وجهها الندي،وجه الطفلة الصغيرة الطري( موت الأبرياء) ،وجسدها النحيل( شدة الجوع والفقر) ،بدموعه الدافئة ” وهي لغة جسد تتمثل في البكاء ترمز إلى (القهر وقلة الحيلة،والاستلاب، )
الجسد كرمز للفناء والموت: قد يقاوم الجسد ويصمد لكنه في صمت ينكسر، قد يتحول في لحظة رهيبة ومهيبة إلى ضياع ،واندثار، فناء، موت وقد صورت الكاتبة مشهد تهافت طاقم الإسعاف لالتقاطها من بين ذراعيه،وهو تجسيد لعملية الاسراع في إنقاذ الطفلة ،وهنا ثنائية ضدية حين يلتقي جسد المسعف (القوي )بجسد الطفلة( الضعيف) وهو توظيف آخر لمعنى الجسد، ومفارقة أخرى، هو يضم طفلته بين ذراعيه،( الاتصال الجسدي) وبين (الانفصال الجسدي ) في قو ل الكاتبة” بصعوبة بالغة فصلوها عن قلبه وجسده” وهنا تكمن قوة التوتر والكثافة الايحائية، وحِدّة اللغة الرمزية ، شدة الانكسار وقلة الجهد والتعب نالوا منه فما كان إلا أن يرفع الغطاء ليلمح وجهها الملائكي، تبسّم فيه،لكنها بدون حراك ،وهنا يكمن توظيف واستثمار لغة الجسد بين الجسد الأنثوي الطفولي والجسد الذكوري الأبوي،وهنا تجسيد الإنسانية وغريزة وعاطفة الأبوة في لحظة مفصلية،لحظة الغياب،والموت، يتحول الجسد إلى طاقة لغوية حين يعجز عن الكلام والبوح ،وحين يكون الوجع داخليا، يخرج مابداخله بلغة جسدية قد تكون أبلغ وأعمق من كل كلام.
الجسد كرمز للهوية: قد يكون الجسد العضوي يعبر عن شخصية الإنسان،عن ذاته،عن وجوده، ولكنه يعبر أيضا عن هويته، عن حريته ،عن وطنه،عن أرضه، قد تفنى صورة الجسد ولكن تبقى صورته وذاته حية، تركن في الذاكرة، يفنى الجسد ويبقى الوطن.
* واختتمت الققجية بعبارة تعيد صياغة الألم ،ألم فقد الطفلة،وألم ما آل إليه الوطن وتحول المشاعر المكبوتة إلى لغة جسدية روحية ” يحمل جثمانها بين الركام، الذي تبقى من وطنه.”
* إن توظيف الجسد ولغة الجسد على امتداد أوسع
في الققجية شكل أداة تحول اللغة ، ونقلها من الحيز الضيق لمفهوم الجسد إلى نطاق أوسع ودلالات أعمق ذات أبعاد أدق ليكون بذلك- الجسد- رمز الألم،رمز المقاومة،رمز الوطن ،رمز الهوية،ورمز الموت .
*في الختام نشكر الكاتبة والاعلامية الدكتورة المتألقة الهام عيسى على هذا الثراء السردي واللغة الرصينة، والبناء المحكم، والتصوير الغني، الذي أبان عن رؤية جمالية وفكرية تحمل رسالة إنسانية واجتماعية.
بقلم الأستاذة: وردة/ع
قدر أكبر
قصة قصيرة جدا
الهام غانم عيسى
خيمة مهترئة وبقايا ثياب ممزقة..
حذاء..
هيكل..
رياح عاتية وصفير عاصفة هوجاء تلوح، تهجم، تغطي المكان..
واحد..
اثنان من الكيلو مترات، قطعها سيرا على الأقدام ماشيا بين الركام ذاك ما تبقى من وطنه الذبيح.
تباغته الرياح،
تارة، يهوى بين الحفر الممتلئة بالثلوج،
يتشبث بجسدها الطري الندي..
وطورا يرفعها على رأسه وطورا آخر يبقض عليها بين ذراعيه..
تكاد أطرافه ان تتجمد من قساوة البرد القارس طول الخطى، ظلّ، يرطب وجهها الندي وجسدها النحيل بدموعه الدافئة..
حين يظهر، يتهافت طاقم الإسعاف في المستشفى لالتقاطها من بين ذراعيه.
بصعوبة بالغة، فصلوها عن قلبه وجسده ..
لم يكن له الجهد سوى أن يرفع عن وجهها الغطاء ويلمح بوجهها الملائكي، وجهه..
تبتسم فيه.. لكنها دون حراك ..
لم يكن يعلم انه يحمل جثمانها بين الركام الذي تبقى من وطنه..







