
الققجية ومقاومة الموت بالحياة قراءة نقدية بقلم الناقدة جليلة المازني
قراءة نقدية : “الققجية ومقاومة الموت بالحياة”
القصة القصيرة جدا:”حلم اللقاء”
الكاتبة: الهام عيسى (سوريا)
الناقدة: جليلة المازني (تونس)
القراءة النقدية: “الققجية ومقاومة الموت بالحياة”.
1- في عتبة العنوان:”حلم اللقاء”
لقد ورد عنوان الققجية مركبا اضافيا فالمضاف معنوي(حلم) والمضاف اليه مادي(اللقاء)
انها مقابلة بين الحلم والواقع .
ولئن كان اللقاء حُلما فهذا يشي بانعدام اللقاء في الواقع.
وهنا قد يشتعل فضول القارئ ليتساءل:
– ما سبب انعدام اللقاء بالواقع؟
– هل سيتحقق حلم اللقاء؟
– أين سيتحقق حلم اللقاء؟
– هل هذا اللقاء يبشر بالخير والبركة؟
– هل هذا اللقاء سيؤدي الى زوال الهموم وتحسن الأحوال؟
2- التحليل: “الققجية ومقاومة الموت بالحياة”
استهلت الكاتبة الققجية بضمير الغائبة المؤنثة(هي وحدها بوجهها الملائكي).
لقد وسمتها الكاتبة بصفتين :
– وحدها: المسكوت عنه أن البقية من الضحايا هم تحت الركام نون ان يُعرف عنهم شيء.
– وجهها الملائكي : هذه الصفة تشي بملامح مريحة للعين والنفس غالبا ما تكون ملامح الوجه الطفولي الذي يجذب الثقة.
لعل الكاتبة لا تخفي عن القارئ وجعها من ناحية واحتجاجها من ناحية أخرى:
– وجعها لأن الطفولة ببراءتها وملائكيتها هي مستهدفة للقتل.
– احتجاجها: يحزّ في نفس الكاتبة أن تكون الطفولة التي هي مستقبل كل بلد يكون مصيرها القتل والقضاء على مستقبل البلاد من جذوره وهذه الطفلة الأنثى مسؤولة عن تواصل واستمرارية النسل.
ولعل الكاتبة تدعم رأيها ب”عين الراصد” الذي لفت انتباهه هذا المشهد المأساوي فقد جعلته الكاتبة شاهد عيان وكأني بالكاتبة تقيم محكمة لترافع على الضحية وتستدعي الشاهد (عين الراصد) ليقدم شهادته في قضية بشعة لتجعل العالم هو القاضي ولعله يُنْصفُها .
وكأن ما يبرئ سقم الكاتبة ويُشْفيها أن العالم قد تفاعل مع الضحية فجعلته “يقف على طرف رجلها المتبقية”. والرِّجْل هي عنوان السير والمسير واستئناف السير وبالتالي فمسيرة النضال ضد العدوان تستمرّ. والعالم يؤيدها في ذلك.
ان هذه الضحية الملائكية بكل رمْزيتها قد جعلتها الكاتبة وقودا يُشْعل النضال ضد العدوان الغاشم.
وكأني بالكاتبة تريد أن تجعل من هذه الضحية بكل رمزيتها أسطورة تماما كأسطورة طائر “الفينيق” الذي يبعث من جديد من الرماد .
وكأني بالشاعرة تدعو القارئ الى التفاؤل وترديد قول الشاعر الشابي وهو يحذّر العدوّ قائلا:
سَخِرْتَ بأنات شعب ضعيف// وكفك مخضوبة من دماه
حذار فتحت الرّماد اللهيب// و من يبذر الشوك يجني الجراح
وفي هذا الاطار فان الكاتبة تجعل الرماد يتقاطع مع اللهيب والجزء المطمور تحت التراب امتدادا للجزء الحيّ ..انه عدم الاستسلام للموت اليائس ورفض للانهزامية القاتلة ..انه المقاومة من أجل حق الحياة.
ان الكاتبة تستدعي مشهدا يُدمي قلب القارئ ومن خلاله كل العالم ويتمثل في أن الطفلة الضحية ” تتلمس وجه أمها التي مازالت على قيد الحياة ” انه مشهد الرضيعة التي تستمد حياتها من أمها التي هي مصدر حياتها واستمراريتها .
واكثر من ذلك ف الأمّ هي نبع الحنان الذي يغذي وجدانها وشعورها بالأمل في حياة أخرى (استلت من شفتيها قبلة طبعتها كآخر رسالة لها قبل الوداع..)
ولعل الكاتبة الهام عيسى لم تجعل الطفلة تموت وتبقى الأم على قيد الحياة اعتباطا بل لأن الأمّ برمْزيتها في الولادة ستلد وتلد وتبعث الحياة من جديد في شعْب مستضعف ..
انها المقاومة للموت بالولادة وبالتالي مقاومة الموت بالحياة.
3- التناص بين العنوان والقفلة:
لعل الكاتبة قد دعمت فكرة مقاومة الموت بالحياة من خلال التناص الداخلي الذي اعتمدته بين عنوان الققجية (حلم اللقاء) والقفلة (حلم اللقاء).
انه تناص يقطع الشك باليقين فلئن بنى القارئ العنوان على فرضية حلم اللقاء القابلة للدحض او الدعم فان الكاتبة تدعمها بقفلة لم يكن القارئ ليتوقعها بأن جعلت الضحية تغفو على حلم اللقاء. “استلّت من شفتيها قبلة طبعتها كآخر رسالة لها قبل الوداع.. تنشّقت رائحتها وغفت على حلم اللقاء”
والكاتبة قد عبرت بامتياز على أن “حلم اللقاء” لم يكن مجرد فرضية بالعنوان بل دعمت امكانية تحققه واقعيا بأن جعلت موت هذه الضحية هو مجرد غفوة (وغفت على حلم اللقاء)علما أن الغفوة هي نوم خفيف سرعان ما يستفيق منه الواحد منا .
وكأني بالكاتبة تردد باسم الضحية الآية(32) من سورة القلم “عسى الله أن يُبدلنا خيرا منها إنا الى ربّنا راغبون” فالام التي خسرت ابنتها قد تستبدلها بمولودة أخرى وأخرى لان الحياة مستمرة باستمرار ولادتها.
انها مقاومة الفراق باللقاء ومقاومة الموت بالحياة.
ومقاومة الموت بالحياة حسب بعض المفكرين هي” فلسفة إنسانية وروحية ووجودية تعني التمسك بالأمل والانجاز والإصرار على العطاء والاستمتاع بتفاصيل الحياة والتمسك بالفرح ومواجهة مشاعر الخوف والأزمات واليأس من خلال عيش الحياة بكثافة وثبات .. تتجسد هذه المقاومة في الاصرار على البناء وممارسة الحياة اليومية وزراعة الايجابية والتغلب على مخاوف الوجود واقامة المعنى واعتبار الحياة رسالة مستمرّة”
ومن جوانب مقاومة الموت بالحياة:
– الثبات والأمل :تجسيد إرادة البقاء من خلال التمسك بالأرض والعيش بكرامة وإصرار على التفاؤل رغم كل ظروف التشاؤم.
– الانجاز والأثر: بناء مَجْد كإنجازات جلجامش البطل الاسطوري وهو بطل أول ملحمة تاريخية وتمثلت انجازاته الاسطورية في رحلته للبحث عن الخلود أو أعمال الانسان الصالحة التي تبقى كذكرى وتستمر بها الحياة. انه دفع لغريزة الموت وتعزيز لغريزة الحياة والخلود بالسعي نحو السعادة والاهداف
ولعل سعادة هذه الضحية في الحلم باللقاء والخلود.
– روحانية الحياة : الايمان بأن الحياة رسالة ومقاومة فكرة الموت بالتركيز على الروحانية وحب الحياة.
ولعل الكاتبة باسم الضحية تشي باللقاء في الحياة الأخرى.
– التمسك بالعيش: رفض الاستسلام والانهزامية أو اليأس . فالكاتبة رأت في موت الضحية حياة جديدة بواسطة أمّها التي “مازالت تتشبث بالحياة ” عسى الله يبدلها خيرا منها.
– التحدي والشجاعة :اعتبار بعض المعاناة وسيلة لتحدي الموت والشعور بالسيطرة على الحياة ..فالكاتبة اعتبرت موت الضحية هي مجرّد غفوة ستستفيق بعدها لتعلن اللقاء وتجدّد الحياة وتبعث من جديد.
وخلاصة القول فان مقاومة الموت بالحياة تظلّ هي “الحياة التي تستحق الحياة “وهي الشجاعة في مواجهة الحتمية عبر اثبات الوجود بالفعل. وهل أكثر من إثبات الوجود عبر الحلم باللقاء؟
سلم قلم الكاتبة الهام عيسى هذا القلم الذي تحدّى الحتمية لاثبات الوجود بمقاومة الموت بالحياة.
بتاريخ : 16/ 04/ 2026
حلم اللقاء === ق ق ج
بقلم الهام عيسى
هي وحدها بوجهها الملائكي خرجت من بين الركام
إذ لفتت انتباه والتقاطات عين الراصد.. كان العالم يقف على طرف رجلها المتبقية
ظل الجزء المطمور تحت التراب يشكّل بقايا امتداد للجزء الحي.. وهي تحاول بما أُوتيت من قوة وما تبقى من إرادة إحساس أن تتلمّس وجه أمها التي ما زالت تتمسك بقيد الحياة
استلّت من شفتيها قبلة طبعتها كآخر رسالة لها قبل الوداع.. تنشّقت رائحتها وغفت على حلم اللقاء







