بين مجد الجائزة وسلطة الذوق هل تتوج الرواية ام تؤدلج؟بقلم د نور الهدى قرباز

الدكتورة قرباز نور الهدى مخبر أبحاث للغة في الأدب الجزائري جامعة محمد خيضر بسكرة -بين مجد الجائزة وسلطة الذوق: هل تُتوَّج الرواية أم تُؤدلَج؟
في زمنٍ صارت فيه الرواية تُقاس أحيانًا بعدد الجوائز لا بعدد القرّاء، يثور سؤال حادّ: هل الجوائز الأدبية الكبرى—مثل جائزة البوكر العالمية للرواية العربية وجائزة كتارا للرواية العربية—تُكرّس الإبداع وتحتفي به، أم تُعيد تشكيله وفق أذواق لجان التحكيم، حتى يغدو الكاتب أسيرًا لنمطٍ مرغوب، لا صوتًا حرًّا؟
هذا السؤال ليس ترفًا نقديًا، بل هو من صميم إشكالية الأدب المعاصر، حيث تتقاطع الجمالية مع السوق، والحرية مع السلطة الرمزية.
1. الجوائز بوصفها اعترافًا: لحظة تتويج أم ولادة ثانية؟
لا يمكن إنكار أن الجوائز الكبرى تؤدي دورًا حاسمًا في إضاءة أسماء ربما كانت ستبقى في الظل. فقد أسهمت جائزة البوكر العالمية للرواية العربية في تقديم أصوات عربية إلى العالمية، وفتحت الباب للترجمة والنشر، كما فعلت مع أعمال لكتّاب مثل يوسف زيدان .
أما جائزة كتارا للرواية العربية، فقد سعت إلى خلق حراك ثقافي واسع، عبر تعدد فروعها وتشجيعها للأصوات الجديدة، بما في ذلك الروايات غير المنشورة.
بهذا المعنى، تبدو الجائزة لحظة اعتراف رمزي، بل ولادة ثانية للنص، حيث ينتقل من دائرة القراءة المحدودة إلى فضاء التداول العربي والعالمي.
2. لكن… من يُتَوِّج من؟ النص أم الذائقة؟
غير أن الوجه الآخر أكثر إشكالية. فكل جائزة، مهما ادّعت الموضوعية، هي في النهاية محكومة بذائقة لجنة، وبسياق ثقافي وسياسي.
هنا يبرز السؤال:
هل تكرّم الجوائز النصوص المتميزة فعلًا، أم تلك التي تنسجم مع “الموضة السردية” الرائجة؟
لقد لوحظ—في أكثر من دورة—ميل بعض الجوائز إلى تكريس أنماط بعينها:
الرواية التاريخية ذات البعد التأويلي
السرد السياسي المرتبط بالذاكرة والهوية
أو الرواية التي تُرضي “القارئ الغربي” ضمنيًا
هذا لا يعني أن الأعمال الفائزة ضعيفة، بل يشير إلى وجود “أفق انتظار” غير معلن، يكتب بعض الروائيين داخله، طوعًا أو لا وعيًا.
3. الكاتب بين الحرية والإغراء: هل يكتب لنفسه أم للجائزة؟
حين تصبح الجائزة حلمًا مشروعًا، تتحول—دون قصد—إلى بوصلة خفية.
فيبدأ بعض الكتّاب بطرح أسئلة من قبيل:
ماذا تريد لجان التحكيم؟
ما الموضوع الرائج هذا العام؟
كيف أكتب رواية “صالحة للترشيح”؟
هنا يحدث التحول الأخطر:
ينتقل الكاتب من التعبير إلى التكيّف، ومن المغامرة إلى الحساب.
في هذه اللحظة، لا تعود الجائزة مجرد تتويج، بل تتحول إلى معيار سابق للكتابة، أي إلى “صنم رمزي” يُعبد دون إعلان.
4. هل الجوائز تصنع القيمة أم تكشفها؟
النقاش الحقيقي ليس في وجود الجوائز، بل في سلطتها.
هل هي:
مرآة تعكس القيمة؟
أم آلة تصنع القيمة؟
إذا كانت مرآة، فهي مرحّب بها.
أما إذا صارت آلة، فإنها تُعيد تشكيل الذوق العام، وتُقصي نصوصًا لا تنتمي إلى أفقها.
في هذا السياق، يمكن القول إن بعض الروايات العظيمة لم تفز بأي جائزة، ومع ذلك بقيت، بينما اختفت أعمال فائزة من الذاكرة.
التاريخ الأدبي لا يُكتب بقرارات اللجان وحدها، بل بذاكرة القرّاء.
5. بين التشريف والتأليه: موقف متوازن
ليس من الإنصاف شيطنة الجوائز، ولا من الحكمة تأليهها.
فهي:
تشريف حين تُنصف النصوص وتفتح لها آفاقًا جديدة
وقيدٌ خفي حين تتحول إلى معيار مسبق يوجّه الكتابة
الرهان الحقيقي إذن ليس على الجائزة، بل على الكاتب:
هل يكتب ليُرشَّح، أم يُرشَّح لأنه كتب بصدق؟
الأدب أكبر من الميدالية
في النهاية، الجائزة لحظة، أما الأدب فزمن.
الجائزة تصنع ضوءًا، لكن النص الحقيقي هو ما يخلق النار.
قد تلمع رواية لأنها فازت، لكن الرواية الخالدة هي التي تُقرأ حتى بعد أن تُنسى أسماء اللجان.
لذلك، لا ينبغي أن نسأل فقط:
من فاز؟
بل:
من سيبقى؟
وهنا، يسقط الصنم… ويبقى الأدب.