أحمد البزوني الناقد الذي يجرد الثقافة العربية من ملابسها المهذبة بقلم د نور الهدى قرباز

أحمد البزوني: الناقد الذي يجرّد الثقافة العربية من ملابسها المهذّبة.نور الهدى قرباز مخبر أبحاث للغة والأدب الجزائري جامعة محمد خيضر بسكرة .
أحمد البزوني ليس ناقدًا أدبيًا بالمعنى الذي يُطمئن الأكاديميا.


هو أقرب إلى جهاز كشف كذبٍ لغوي،
يشتغل على النصوص كما تُشتغل السكاكين على جلدٍ متراكم عليه المسكّنات.
لا يقرأ ليشرح،
بل ليكشف ما تمّت تغطيته عمدًا:
الخوف حين يتكلم بلغة الأخلاق،
والرغبة حين تتخفّى في قاموس “العيب”،
والقمع حين يرتدي بدلة “القيم”.
في مشروعه، لا وجود للبراءة الثقافية.
كل خطاب يبدو ناعمًا يخفي عنفًا ما.
وكل لغة مهذبة أكثر من اللازم
هي لغة تم تدريبها على الصمت لا على القول.
البزوني لا يتعامل مع النصوص كأعمال فنية،
بل كأعراض.
أعراض لمجتمع يعيش ازدواجية دائمة:
يرفض ما يمارسه،
ويمارس ما يرفضه،
ثم يطلب من النقد أن يُجمّل هذا التناقض بدل أن يفضحه.
الجسد في كتابته ليس رمزًا، بل ساحة احتلال.
تحتلّه ثلاث قوى في آن واحد:
الدين حين يتحول إلى رقابة داخلية،
المجتمع حين يصنع من “العيب” قانونًا غير مكتوب،
والخطاب الثقافي حين يخفف كل شيء حتى لا ينفجر أحد.
هو لا يتعامل مع الجسد كموضوع “أدبي”،
بل كأكثر منطقة مكشوفة في كذبنا الجماعي.
ولهذا يبدو مزعجًا:
لأنه لا يسمح بتحويل الألم إلى استعارة جميلة.
أما الدين، في قراءته،
فلا يُهاجَم كعقيدة،
بل يُفكَّك كآلية خطابية تُنتج الخوف داخل الفرد.
ذلك الصوت الذي يسكن الداخل،
الذي يراقب الرغبة قبل أن تُمارس،
ويحاكم النية قبل الفعل،
هو ما يضعه البزوني تحت المجهر.
ليس السؤال عنده: هل الدين صحيح؟
بل: كيف تحوّل إلى سلطة نفسية لا تحتاج شرطة خارجية؟
المجتمع في هذا المنظور ليس كيانًا اجتماعيًا بريئًا،
بل ماكينة إنتاج مستمر للامتثال.
يُعيد تدوير نفس القواعد:
لا تخرج عن النص،
لا تُربك الصورة،
لا تُفكّر بصوت عالٍ.
ثم يقدّم نفسه بوصفه “طبيعة”.
وهنا تكمن الخدعة الكبرى:
أن يتحول القمع إلى عادة،
ثم إلى أخلاق،
ثم إلى هوية.

عم
أما الناقد، فهو في موقع أكثر إحراجًا.
لأنه، في نظر البزوني،
ليس شاهدًا محايدًا على النصوص،
بل طرفًا في عملية ترويضها.
هو الذي يحوّل الصدمة إلى “تأويل”،
والانفجار إلى “قراءة”،
والخطر إلى “تصنيف أكاديمي”.
وبهذا، لا يشرح النص فقط،
بل يعيده إلى القفص بعد أن كاد يهرب منه.
ما يفعله أحمد البزوني في النهاية ليس نقدًا تقليديًا.
بل تفكيك عدواني للطمأنينة الثقافية.
هو يرفض أن تبقى اللغة وسيلة تجميل،
ويرفض أن يبقى الفكر ديكورًا.
كتابته تضع القارئ في مواجهة مباشرة مع شيء واحد:
أن كثيرًا مما نعتبره “طبيعيًا”
ليس إلا خوفًا قديمًا
تمّت إعادة تغليفه بلغة محترمة.
ولهذا،


قراءة البزوني ليست تجربة فكرية فقط،
بل تجربة إزعاج مقصود:
إما أن ترى ما كنت تتجاهله…
أو تغلق النص وتعود إلى راحتك القديمة.