ذاكرة تقاوم وأقلام تساوم حين يتحول الأدب من ضميرالى صفقة ليس كل قلم يكتب بريئا بقلم د نور الهدى قرباز

ذاكرة تُقاوم… وأقلام تُساوم: حين يتحوّل الأدب من ضميرٍ إلى صفقة
ليس كل قلمٍ يكتب… بريئًا. دكتورة نور الهدى قرباز جامعة محمد خيضر بسكرة.


بعض الأقلام تكتب لتُبقي الذاكرة حيّة، وأخرى تكتب لتُفرغها من معناها حتى تبدو كأنها لم تكن يومًا سوى عبءٍ يجب التخلّص منه. هنا، في هذا الخطّ الفاصل بين الشهادة والمساومة، يتعرّى الأدب من زخرفته، ويُسأل سؤالًا قاسيًا: مع من تقف؟ مع الذاكرة وهي تنزف… أم مع الخطاب الذي يطلب منها أن تبتسم وهي تُمحى؟
في هذا المفترق، يظهر واسيني الأعرج كمن يكتب بقلق الحارس، لا بطمأنينة المتفرّج. حين يستدعي الشيخة الريميتي، لا يلمّعها ولا يُخفي قسوتها، بل يعيدها كما هي: صوتًا خرج من الطين، من الجسد، من الهامش الذي حاول الجميع دفنه تحت سجاد “الذوق العام”. هو لا ينقذها وحدها، بل ينقذنا من وهم النقاء، من كذبة الهوية المصقولة التي لا تشبه أحدًا.
لكن في المقابل، هناك كتابة أخرى… كتابة تتقن فنّ المسافة.


تبتعد حتى لا ترى، وتُبسّط حتى لا تفهم، وتعيد تشكيل الواقع وفق قوالب جاهزة تُرضي نظرة الآخر أكثر مما تفسّر الذات. كتابة تُفرغ الجرح من حرارته، وتحوله إلى مادة باردة قابلة للاستهلاك. هناك، لا يعود الأدب مقاومة، بل يتحوّل—بهدوءٍ خطير—إلى صفقة: ذاكرةٌ تُخفّف، تاريخٌ يُعاد ترتيبه، وألمٌ يُقدَّم في صورةٍ “مقبولة”.
ليس هذا اختلافًا في الأساليب، بل في المواقف.
فالكتابة من داخل الجرح شيء، والكتابة عنه من خلف زجاجٍ عازل شيء آخر تمامًا. الأولى تُغامر، تتورّط، وتدفع ثمن اقترابها من الحقيقة؛ أما الثانية، فغالبًا ما تربح المسافة… وتخسر المعنى.


إن أخطر ما يمكن أن يحدث للأدب ليس أن يخطئ، بل أن يفقد حساسيته تجاه ما يكتب عنه. أن يتحوّل من ضميرٍ يفضح، إلى لغةٍ تُلطّف، ومن شاهدٍ على التاريخ إلى مُعيد صياغةٍ له بما يناسب السوق لا الذاكرة.
من هنا، لا يعود السؤال: من كتب أفضل؟
بل: من بقي وفيًّا لما يجب أن يُروى؟
فالأدب، في نهاية الأمر، ليس حيادًا.
إنه انحيازٌ لا مفرّ منه:
إمّا إلى ذاكرةٍ تُقاوم… النسيان والكذب
أو إلى أقلامٍ تُساوم……وخانت قلمها وطردت من وطنها والوطن الذي دافعت عنه