
التشكيل الرمزي للبحر والتيه في قصيدة اهكذا الليل يطوينا للشاعرة سرى شاهين بقلم الناقد د طارق لعرابي
التشكيل الرمزي للبحر والتيه في قصيدة” اهكذا الليل يطوينا” للشاعرة: سرى شاهين
بقلم:د.طارق لعرابي

تنبني القصيدة التي بين ايدينا على تشكيل رمزي تتوارى داخله الاشياء الحسية لتكتسب ابعادا انطولوجية تتجاوز ظاهرها اللغوي ،فالبحر لا يحضر بوصفه فضاء مائيا،بل تجلى كالامتداد الكوني الذي تتبدد داخله يقينيات الإنسان ،بينما يتحول الليل إلى كثافة دلالية ترمز إلى العمى المعرفي وارتباك الكائن أمام أسرار الوجود ،ومن ثم تتالف مفردات الرحلة البحرية اللجة ،الشراع، العباب،الزورق، الموج داخل نسق استعاري متماسك يجعل من حركة الإبحار تمثيلا رمزيا لعبور الإنسان في الزمن ،لا بوصفه مسارا يقود إلى غاية واضحة ،بل باعتباره تيها مفتوحا على الاحتمال واللايقين ،بهذا تتجاوز القصيدة حدود التأمل الوصفي لتغدو مساءلة شعرية عميقة للوجود أين تتقاطع هشاشة الذات مع اتساع الكون ، ويتحول العبور نفسه إلى صورة للقلق الإنساني في مواجهة المجهول.
افتتحت الشاعرة نصها باستفهام متكرر:” اهكذا الليل يطوينا ،ونطويه”
لا يشتغل هذا التركيب على صورة الليل بوصفه زمنا عابرا بل بنية كونية تعيد تعريف علاقة الإنسان بالوجود ،فالفعل” يطوينا” يمنح الليل سلطة الاحتواء والمحو ، إذ يبدو الإنسان قابلا للانطواء داخل عتمة أكبر منه وكان الوجود نفسه يمارس فعل الطي داخل حدوده الزمنية ،غير أن الشاعرة تقابل هذا الفعل مباشرة ب” ونطويه” فتتشكل مفارقة وجودية دقيقة للانسان رغم هشاشته يحاول بدوره أن يحتوي هذا الليل ،ان يفهمه ، أن يخضع غموضه للمعنى.
كما إن التكرار للفعل نفسه ” يطوينا/ نطويه” يخلق حركة دائرية مغلقة توحي بأن العلاقة بين الإنسان والمجهول ليست علاقة انتصار بل علاقة تداخل ابدي.
اما الاستفهام ” اهكذا ” فهو رجفة إدراك مشبعة باحساس الانكسار الهادىء فتبدو فيه الشاعرة كمن يتأمل المصير لا كمن يحتج عليه.
ويتسع البناء الرمزي عبر صورة البحر ” اهكذا نحن نمضي عبر لجته ” تتجاوز هذه العبارة حدود الصورة الحركية البسيطة لتتحول إلى تمثيل رمزي مكثف لمسيرة الإنسان داخل الوجود ،فالفعل ” نمضي” لا يدل هنا على السير العادي بل يحمل معنى الانجراف الوجودي.
غير أن العمق الحقيقي للصورة يتجلى في لفظة” لجته” فاللجة ليست مجرد عمق بحري بل صورة انطولوجية للاتساع الذي يعرف الادراك ،فهي رمز للوجود حين يتحول إلى فضاء بلا حدود واضحة ،كما أن إضافة ضمير الغائب ” لجته” يفتح افقا تاويليا بالغ العمق ،فالضمير هنا لا يحدد مرجعه بصورة مباشرة وكان القصيدة تتعمد ابقاء هذا الآخر غامضا.
اهي لجة الليل؟
ام لجة الزمن ؟
أم لجة الوجود نفسه ؟
وتظهر رمزية الضياع يشكل اعمق في قول الشاعرة:
” ومهما مخرنا الدجى شطت مراسيه” فالمراسي عادة ترمز إلى الامان و الاستقرار واليقين ،غير أن الشاعرة تعمدت إلى ابعادها باستمرار لتصبح الغاية مؤجلة ،وهذا الانزياح الرمزي يكشف أن الإنسان يظل عاجزا عن بلوغ الحقيقة الكاملة ،وبهذا تتحول الرحلة من فعل وصول الى حركة دائمة بلا نهاية.
وتتركز مركزية الرمز البحري في صورة الزورق.
وما ينفك زورقنا
في اليم منتظر ،حيران في التيه
يتحول الزورق إلى رمز للذات الانسانية في هشاشتها وعزلتها ،فهو صغير أمام اتساع اليم تماما كما يبدو الإنسان ضئيلا
أمام اتساع الوجود ،وغموض المصير ،غير أن عمق الصورة لا يكمن في الإبحار بل في حالة الانتظار ،فالزورق لا يصل ولا يغرق ،وانما يظل معلقا بين الحركة والسكون ،
ختاما ، تتجاوز القصيدة بعدها الوصفي لتغدو تاملا شعريا في هشاشة الوجود ،وعابرية الحياة ،فيبدو الإنسان مبحرا في عالم من الالغاز لا يملك سوى الاستمرار في العبور حين يطوى الحلم الأخير.







