موت على صدر الغياب

__موت على صدر الغياب__

…رأته على عتبة المنزل يقبّل
ذات الساقين الطويلتين بلهفة ورومانسية لا حدّ لها…
تجمّدت في مكانها وما تقدمت خطوة ،أخذتها الرجفة،
احتمت بأوراق شجرة التّوت الكثيفة مسندة ظهرها المقصوم للجذع درءا للسقوط،بسبب دوار ألمّ بها وبعض غثيان… قد يكون كل المشهد خدعة بصرية…
تماسكت فركت عينيها
رأته يقطف زهرة أركيد زهرتها المفضلة ويقدّمها لذات الوجه الطويل مع انحناءة ملكية وهو يفتح لها باب السيارة…
تلك النبتة التي رعتها وسقتها
وانتظرت تبرعمها،وتفتحها بكل حبّ،
ثمّ مبتسما شغّل محرك السيارة وغادرا معا في موكب مهيب وقد أخذته العزة بالخيانة …
هذا الرجل ببرودة جرّاح صفع آخر معاقل أنوثتها..
عشرون عاما تنام معه على نفس الفراش جنبا إلى جنب وما أحست أنه مخادع..
عشرون ربيعا عشرون صيفا
عشرون خريفا عشرون شتاء
وفصول العمر تمطر نفاقا..
كيف عجزت عن كشف حقيقته، ولو مرة…؟
كيف لم تشكّ في وفائه …؟
وما الجدوى من عدّ السنوات ؟!
تحاملت على نفسها وولجت المنزل…خنقها عطر الخيانة
فتحت كل النوافذ بحثا عن هواء نقي خالٍ من الكذب
يخونها في عقر دارها وعلى فراشها…
كم كانت ساذجة حدّ البلاهة والغباء..
وغبية كلّ امرأة تثق برجل حد العمى …وهي كانت تلك المرأة …
وككل مرة تحملها أجنحة الحنين إلى حبها الأول…
لم يكن اسمه يغادرها تماما، حبيب يختبئ في أكثر زوايا القلب صمتا ،ويطفو مدفوعا بموجة حنين عاتية…

نزلت إلى السرداب ،أخرجت
صندوق الذكريات،
ومن الصندوق أخرجت حزمة رسائل …
شرعت في فتحها رسالة رسالة
وهي تداعب حروفها و تلامس الوردة المجففة التي تحملها بلطف حتى لا تحطم بتلاتها…
والله زمان ،يا زمان…
غادرت المكان متحدية الزمان…
وعادت لسن المراهقة وحبها الأول
عادت إلى تلك القرية الجاثمة
عند سفح جبل غابي
عادت إلى ذلك المطعم الذي
عملت فيه(سرفورة)…
ألَا حيّا الله تلك الأيام…
أغلقت كل شيء …حزمت حقائبها وسافرت إلى مسقط قلبها الأول…
طوال الطريق كانت جذلى تردد مقطع اغنية غنياها معا… بلغت المكان كان صامتا
كمقبرة… الأبواب والنوافذ موصدة ،انقبض قلبها وضاقت أنفاسها …فجأة سمعت صوتا تعرفه انه صوت صديقتها
تعانقتا وتحدثتا عن ذاك الماضي الجميل وعن(حـ)
تساءلت أين هو ؟
قد يكون تزوج وله أبناء…
تنهدت
صديقتها ،تغيّرت ملامحها، وفي نبرة حزينة قالت: فعلا تزوج مثلنا ولكنه ما عاش طويلا مات إثر نوبة قلبية…حدّقت مليا في الفراغ ،وانشطرت روحها…
لم تبكِ أمام صديقتها…
فقط شعرت أن الطريق التي جاءت بها صارت أطول من العودة…
عادت هناك تجرّ أمل العثور على حب قديم متجدد ما خبت
شعلته أبدا…
عادت تنفض غبار النسيان عن مشاعر لم تمت تماما وما طوتها مسافة الزمان
عادت لتضمّد جرح بجرح أعمق …
حملت قلبها المكلوم على راحتيها وسارت حثيثا صوب
مكان اللقاء الأخير…
صباحا،عثر حارس المقبرة على امرأة جثة هامدة ،أسندت رأسها على صدر المرحوم وطوّقت القبر بذراعيها…

فائزه بنمسعود
21/5/2026موت