
الجسد العربي بين النار والمرأة حين يتحول الأدب إلى اعتراف موجع
د.نور الهدى قرباز جامعة بسكرة -الجسد العربي بين النار والمرآة: حين تحوّل الأدب إلى اعترافٍ موجع
لم يكن الجسد في الأدب العربي الحديث مجرد تفصيلٍ عابرٍ في الكتابة، بل صار ساحةً كبرى للصراع؛ صراعٍ بين الرغبة والقمع، بين المقدس والمدنس، بين المرأة التي تريد أن تستعيد صوتها، والمجتمع الذي يريدها صامتةً حتى داخل جلدها. لذلك، حين كتب أحمد البزوني
وفضيلة الفاروق وأحلام مستغانمي ونوال السعداوي عن الجسد، لم يكونوا يكتبون عن اللحم بوصفه مادةً بيولوجية، بل عن الكائن العربي وهو يحاول النجاة من الخوف.
لقد كان الجسد في كتاباتهم أشبه بمرآةٍ مكسورة يرى فيها الإنسان العربي هشاشته المكبوتة. فكل كاتب اقترب من الجسد بطريقته، لكنهم جميعًا التقوا عند حقيقة واحدة: أن الجسد في مجتمعاتنا ليس ملك صاحبه بالكامل، بل ساحةٌ تتقاسمها السلطة والعادات والدين والذاكرة والرجولة والخوف.

في نصوص فضيلة الفاروق يبدو الجسد الأنثوي كمدينةٍ محاصرة. تكتبه بحبرٍ يختلط فيه الألم بالتمرد، فتتحول المرأة عندها إلى كائن يحمل ذاكرةً دامية داخل جسده. لم تكن تكتب الجسد بحثًا عن الإثارة، بل كانت تفضح العنف الصامت الذي يُمارَس على المرأة العربية باسم الشرف والأعراف. لذلك تأتي لغتها حادة كجرحٍ مفتوح، وكأنها تريد أن تقول إن المرأة التي تُمنع من الكلام يبدأ جسدها بالصراخ بدلًا عنها.

أما أحلام مستغانمي فتكتب الجسد كما يُكتب الحنين؛ بعطر اللغة لا بوقاحة الوصف. الجسد عندها ليس مساحة للشهوة وحدها، بل وطنٌ صغير تسكنه الذاكرة والهزيمة والحب. رجالها يحملون خيباتهم على أكتاف النساء، ونساؤها يتحولن إلى قصائد تمشي فوق خراب العاطفة العربية. لذلك يبدو الجسد في رواياتها مشبعًا بالشعر، كأنه محاولة أخيرة لإنقاذ الروح عبر الحب. إنها لا تكشف الجسد بقدر ما تكشف ارتجافه الداخلي.
بينما جاءت نوال السعداوي أكثر مباشرةً واشتباكًا مع التابوهات. لقد نزعت الغطاء عن أكثر المناطق خوفًا في الثقافة العربية، وربطت الجسد بالسلطة الذكورية والقمع الاجتماعي. كانت ترى أن السيطرة على جسد المرأة هي البداية الحقيقية للسيطرة على عقلها ومصيرها. ولهذا تحولت كتاباتها إلى عاصفة فكرية هزّت البنى التقليدية، لأنها لم تسأل فقط: ماذا يحدث للجسد؟ بل سألت السؤال الأخطر: من يملك هذا الجسد أصلًا؟
أما أحمد البزوني، فقد اقترب من الجسد بوصفه خطابًا ثقافيًا ورمزًا للهوية والتمزق النفسي. لم يكن الجسد عنده سطحًا ظاهريًا، بل نصًا مضمخًا بالتاريخ والقلق والأسئلة الوجودية. إنه الجسد الذي يحمل آثار القمع والحرمان والانكسار، ويصبح في لحظة الكتابة شاهدًا على الإنسان العربي وهو يحاول أن يفهم نفسه وسط هذا الخراب الطويل.
والمذهل أن هؤلاء الكتّاب، رغم اختلاف أساليبهم، جعلوا من الجسد وثيقةً ضد النفاق الاجتماعي. فالمجتمع الذي يخاف الحديث عن الجسد، هو غالبًا المجتمع الذي يمارس عليه أقسى أشكال العنف في الخفاء. لذلك جاءت نصوصهم كأنها محاولة لانتشال الإنسان من صمته التاريخي، وإعادة الاعتراف بجسده بوصفه جزءًا من إنسانيته لا عارًا ينبغي إخفاؤه.
لقد تحوّل الجسد في أدبهم إلى لغةٍ ثانية للألم. مرةً يكون امرأةً تُجلد بالصمت، ومرةً عاشقًا يفتش عن ذاته داخل الحب، ومرةً وطنًا مثقلًا بالهزائم. وهنا تحديدًا تكمن قوة هذه الكتابات: أنها لم تتحدث عن الجسد بوصفه شهوة، بل بوصفه ذاكرةً كاملة تمشي فوق الأرض.
إنهم لم يكتبوا الجسد… بل كتبوا الإنسان العربي حين يصبح جسده آخر ما يملكه في عالمٍ يحاول أن يصادر حتى حقه في الإحساس.







