مقاربة نقدية في ققج ترقب النعاج للقاصة الهام عيسى بقلم الناقدة سعيدة بركاتي

مقاربة نقدية في ققج “ترقب النعاج” للإعلامية  إلهام عيسى / سوريا
” بقلم الأستاذة سعيدة بركاتي / تونس
ثلاث رصاصات و دورة استبداد : قراءة أدبية / سياسية في الققج : ” ترقب النعاج ” أنموذجا

#القصة : ترقب النعاج :

توغلت الرصاصة الاولى مخترقة في غفلة الضمير ،الثانية مزقت احشاءها تحت صرير الجوع ، الثالثة حلقت نحو الافق معبقة بالدماء تزف شكواها سماويا ، حينما انهى الذئب فصل وليمته ،كانت الخراف تنتظر اسدال الستار ، كي تتهيء لعرض نعاج خرافي آخر .

# القراءة :

انطلاقا من العنوان: “ترقب النعاج” ليست “انتظار النعاج” ولا “خوف النعاج”… بل “ترقب”. والترقب فعل واعٍ ، كأنها تعرف السيناريو وتعدّ نفسها للدور التالي : العنوان يفضح التواطؤ : الضحية القادمة تتدرب على أن تكون ضحية .
ثلاثة رصاصات وردت بالقصة ، دورها وظيفي ، لنفكك هذا الدور إنطلاقا من الرصاصة الأولى :

+ الرصاصة الأولى : “توغلت في غفلة الضمير”
الرصاصة هنا ليست معدن ، بل حدث أول للظلم : “غفلة الضمير” رمز لموت الوازع الأخلاقي الجماعي ؛ الجريمة الأولى لا تحدث بالقوة فقط ، بل بغياب الرفض : حين ينام الضمير ، تستيقظ الرصاصة . وهذا يُفسّر لماذا كل الأنظمة الاستبدادية تبدأ بجريمة صغيرة لا يلتفت إليها أحد .
+ الرصاصة الثانية : “مزقت أحشاءها تحت صرير الجوع”
الجوع هنا رمزي : ليس جوع بطن ، بل جوع سلطة / جوع مصلحة / جوع خوف . “صرير الجوع” صوت مزعج لا يُحتمل مما يبرر القسوة فالظالم يذبح وهو يقول : “مضطر/ الظروف صعبة” . فالفقر والاحتياج يصبحان مبرراً لسفك الدماء .

+ الرصاصة الثالثة: “حلقت نحو الأفق معبقة بالدماء تزف شكواها سماوياً”
هنا الانتقال من الأرض إلى السماء : الرصاصة الأخيرة انقلبت إلى دعاء مظلوم . “معبقة بالدماء” : محملة بالأدلة .”تزف شكواها سماوياً” : الشكوى لا تضيع ، حتى لو صمت البشر ، هناك محكمة عليا . القصة تمنح الضحية انتصاراً رمزياً : جسدها سقط ، لكن شكواها ارتفعت .
“حينما أنهى الذئب فصل وليمته”
الذئب : رمز السلطة المتوحشة : المستفيد والجلاد ؛ لكنه ليس وحش أسطوري ، بل “أنهى فصل” . أي أن المجزرة لها فصول ، وستعود … هو ليس شراً مطلقاً بل نظاماً متكرراً .

+ القفلة المدهشة : “كانت الخراف تنتظر إسدال الستار ، كي تتهيأ لعرض نعاج خرافي آخر”
هذه هي الطعنة : الخراف لم تهرب ، لم تثُر ، لم تبكِ على أختها : بل “تنتظر إسدال الستار” كجمهور في مسرح ، ثم “تتهيأ لعرض نعاج خرافي آخر” : تستعد لتكون هي الضحية القادمة ، بنفس السيناريو ، بنفس السذاجة . فـ “خرافي” مزدوجة الدلالة : أسطوري/مبالغ فيه / خاص بالنعاج/ الخراف : بمعنى أن الغباء سيُعاد إنتاجه ببذخ .

قصة ذات دلالات رمزية مكثفة فهي لا تتحدث عن ذئب واحد وخروف واحد : تتحدث عن دورة كاملة : ضمير نائم / مبررات الجوع / شكوى تصعد إلى السماء / جلاد ينهي فصله / قطيع يتدرب على الذبح القادم .
نستنتج أن الرصاصات الثلاث هن مراحل الظلم : التجاهل/ التبرير/ الانهيار . أما صورة الخراف : نحن حين نختار المشاهدة على المواجهة ، ونصدق أن “الدور لن يأتي علينا” . فالقصة صفعة : الخطر ليس في الذئب فقط بل في الخروف الذي يحفظ دوره جيداً .

بعد هذا التحليل لرموز القصة يجعلنا كقارئة نحول نظرنا إلى جانب سياسي عميق : لو خلعنا عن القصة عباءة الحيوانات ، سنرى تحتها خريطة دولة كاملة . لنرى :
الذئب : السلطة / النظام المتوحش : ليس ذئباً واحداً بل “النظام” بكل آلياته : يأكل ثم “ينهي فصل وليمته” كأن القمع عنده مواسم ودورات انتخابية شكلية ، كل فترة يختار ضحية ، يشبع نهمه منها ثم يرتاح إلى “الفصل” القادم . السياسة هنا ليست إدارة بل “وليمة” تقسّم فيها الغنائم و “الدماء” .

+ الرصاصة الأولى : “في غفلة الضمير” : مرحلة التطبيع . هكذا تبدأ كل الاستبدادات : بقانون صغير / باعتقال هامشي / بقمع صوت لا يملك جمهوراً . “الرصاصة الأولى” لا توجع القطيع لأنها أصابت “الضمير” فقط ، الشعب مشغول بتوفير لقمة العيش . لحظة موت المجتمع المدني : حين لا يدافع أحد عن أول ضحية بحجة “لا دخل لنا بما يحصل”، وعدم إعطاء الاهتمام الكامل لهذه “الرصاصة” .
+ الرصاصة الثانية : تحت “صرير الجوع “: الانتقال إلى سياسة التجويع وهو أخطر سلاح سياسي . حين يُفقِر النظام الشعب ، يصبح صرير المعدة أعلى من صوت الكرامة : “صرير الجوع” . يبرر كل شيء : يقبل الفساد / يصفق للجلاد / تصمت عن الذبح … فالجائع لا يثور على من سرقه بل يثور على من يشير إلى السارق . وهنا تمزق أحشاء الوطن حرفياً .
+ الرصاصة الثالثة : التي “تزف شكواها سماوياً” : في شكل دم يصعد للفضائيات والمنظمات الانسانية و حقوق الانسان ويصل إلى مجلس الأمن : “معبقة بالدماء”: ملفات حقوق الإنسان / صور الضحايا / تقارير … لكنها “شكوى سماوية” تصعد ولا تنزل . العالم يتفرج ويصدر بيانات شجب ثم يغلق الملف : فالشكوى وصلت عنان السماء ولم تصل إلى العدالة الأرضية .

هنا يأتي دور “الخراف” أو يولد السؤال : أين الشعب من كل هذه الكوارث ؟ لقد طال صمته ، فالذئب وظيفته معروفة ، وهو ليس بالكارثة ، الكارثة في “الخراف التي تنتظر إسدال الستار” . هذا هو المواطن المروّض سياسياً : يعرف أن الدور عليه ومع ذلك يرتّب نفسه للذبح القادم ، يتعلم من مجزرة أخيه كيف يموت بهدوء أكثر ، لا كيف ينجو ، يحول السياسة إلى “عرض مسرحي” يتفرج عليه ويصفق أو يبكي ، يتأثر ساعتها ، ثم يعود للانتظار : “عرض نعاج خرافي آخر”. الانتخابات الصورية والحوارات التي لا تغير شيئاً ، نفس السيناريو يعاد : ضحية جديدة / تصفيق / وانتظار …

فالقصة تفضح هذا الاستبداد ، شكله ثلاثي الأبعاد : جلاد يذبح / شعب يجوع / نخب تبرر وتنتظر دورها . الرصاص لا يقتل الشعوب ، الذي يقتلها هو قناعة “الخراف” أن الذبح قدَر ، والوقوف في الطابور بهدوء حتى توزع الأدوار فيأتي عليك الدور . فالقصة موجعة سياسياً : لأنها لا تمنحنا عدواً خارجياً نجلده ، بل تضع المرآة أمامنا وتسأل : لماذا ما زلنا “نترقب” ولا “نثور” ؟؟؟؟
في حصادنا للدلالات
يتضح جلياً مما تقدم أن ققج “ترقب النعاج” ليست حكاية عن ذئب وخروف ، بل محاكمة أدبية قاسية للصمت الجماعي والتواطؤ اللاواعي مع الظلم . النص يفك آليات الاستبداد بثلاثية دقيقة جداً : جريمة تبدأ بغفلة الضمير ، فتبررها سياسة التجويع ، فتنتهي بشكوى سماوية لا تجد عدالة أرضية . وتكمن عبقرية القفلة في كشفها أن الكارثة الحقيقية ليست في وحشية الذئب فحسب ، بل في “الخراف” التي تحولت من ضحايا إلى جمهور ، ومن متفرجين إلى متدربين على الموت القادم . القصة صفعة في وجه كل من يصدق أن دوره لن يأتي ، وتذكير بأن الخطر الأعظم هو حين يصبح الذبح قدراً ، والانتظار في طابور الموت سلوكاً معتاداً .
بقلمي الأستاذة سعيدة بركاتي/ تونس 🇹🇳