حين يتنفس العالم من حنجرة الفنان عيد الفنان بين الخلق والخلود بقلم د نور الهدى قرباز

  1. حين يتنفس العالم من حنجرة الفنّان -عيدُ الفنان بين الخلق والخلود-د.نور الهدى قربازجامعة بسكرة
    ليس عيدُ الفنان مناسبةً تُعلَّق على جدار النسيان، ولا يوماً نمرّ عليه كما نمرّ على خبرٍ عابر في نشرةٍ مزدحمة. بل هو لحظةُ اعترافٍ كونية، تتأخر كثيرًا كما يتأخر العدل حين يكون الفنّان هو الشاهد الوحيد على الحقيقة.
    في هذا اليوم، لا نحتفي بشخص، بل نحتفي بالفعل ذاته: فعلِ الخلق. ذلك الفعل الذي يجعل الكاتب ينهض من هشاشته ليحوّل اللغة إلى كائنٍ حيّ، يتنفس، يتألم، ويقاوم. الكاتب ليس ناسخًا للواقع، بل مزلزلًا له، يعيد مساءلته من جذوره، ويضع المرآة أمام وجه العالم دون رحمة، لكن بجمالٍ يُشبه الرحمة.
    أما المسرحي، فهو ذلك الكاهن القديم الذي يعيد طقوس الحياة على خشبةٍ صغيرة، فيجعل من بضعة أمتارٍ مربعة كونًا كاملًا. هناك، تتقاطع الأرواح، وتتعرّى الحقائق، ويُمنح الإنسان فرصةً نادرة: أن يرى نفسه كما هو، لا كما يتوهم. المسرح ليس ترفًا، بل محكمةٌ كبرى، فيها يُحاكم الصمت، ويُستدعى الغائبون من ضمير المجتمع، وتُفتح الملفات التي يخاف الواقع من فتحها.
    والممثل… ذلك الكائن الذي يتقن فنّ الاختفاء كي يظهر الآخرون من خلاله. لا يعيش حياةً واحدة، بل يستعير حياةً بعد حياة، حتى يصبح جسده أرشيفًا للوجع الإنساني. يضحك حين يكون الحزنُ هو الحقيقة، ويبكي حين يكون الصمتُ واجبًا، ويُقنعنا أن الكذب على الخشبة قد يكون أصدق من ألف حقيقة في الخارج.
    في عيد الفنان، ندرك أن الفنّ ليس زينةً للحياة، بل شرطٌ لبقائها. فبدون الكاتب تتحول اللغة إلى حجارة، وبدون المسرحي يصبح الوعي جدارًا مغلقًا، وبدون الممثل تفقد الإنسانية قدرتها على رؤية نفسها في مرايا الآخرين.
    إنه اليوم الذي نُدرك فيه أن الفنان لا يعيش على هامش المجتمع، بل في قلبه النابض، وإن بدا ذلك القلبُ متعبًا، مكسورًا، ومثقلًا بالأسئلة. لكنه رغم ذلك يواصل النبض، لأن التوقف يعني أن العالم فقد آخر أسباب جماله.
    الفنان هو الذي يعلّمنا كيف نحزن دون أن ننكسر، وكيف نحب دون أن نفقد ذواتنا، وكيف نرى القبح دون أن نستسلم له. هو الذي يُحوّل الألم إلى شكلٍ من أشكال المعرفة، ويجعل من الفوضى نظامًا سريًا لا يفهمه إلا من تذوّق النار دون أن يحترق.
    وفي هذا العيد، لا نكتفي بالتصفيق، بل نعترف بما هو أعمق من التصفيق: نعترف بأننا مدينون له. مدينون له لأنه أبقى فينا شيئًا من الإنسانية حين كانت الحياة تميل إلى التوحش، ومدينون له لأنه لم يهرب من هشاشتنا بل صنع منها جمالًا.
    فيا أيها الفنان…
    يا من تكتب لتقاوم الصمت، وتمثل لتكشف القناع، وتعيش آلاف الأرواح كي لا نموت نحن في حياة واحدة ضيقة.
    ابقَ كما أنت، جرحًا جميلًا في جسد العالم، ونورًا لا ينطفئ حتى حين تتكاثر العتمة.
    فالعالم بلا فنان… ليس ناقصًا فقط، بل ميتٌ واقف.