
فانتازيا المتعاليات الرمزية وتسريد الكارثة المؤجلة في رواية “الكلاب الطائرة” لفاضل الكعبي
فانتازيا المتعاليات الرمزية وتسريد الكارثة المؤجلة في رواية “الكلاب الطائرة” لفاضل الكعبي
أ.د. زينب لوت
تخصص نقد حديث ومعاصر
الرواية العجائبية لا تعرف زوايا مكان
أو زمـــــــــــنية فعل هــــــــــــــــــي تقــــــاطعات
في عـــــــــــــــــــــوالم مختلفة الواقع الاستيهام
الرؤيا ذات الأبعاد التي تجسد فلسفة
خاصة للكاتب خلف أسوار المحكي.
الجزء الثاني
المتعاليات الرمزية: الكلاب والطيران والحلم والنباح:
تقوم الرواية على شبكة رمزية متكاملة تجعل من الكلاب مركزاً لإنتاج الدلالة. فالكلب (لوفي) لا يؤدي وظيفة الحراسة فقط، بل يتحول إلى علامة على المعرفة الغريزية التي تسبق الوعي الإنساني. ويؤكد النص هذه الفكرة عندما يصف الكلبين اللذين أراد استعارتهما (شان) من صديقه (جان ) وابن عمه (مان) بقوله:
(كلبان شرسان وذكيان، وذكاؤهما يفوق ذكاء الكلاب الأخرى في المدينة.)
إن هذا الوصف لا يهدف إلى إبراز قدرات الكلاب الجسدية، بقدر ما يؤسس لدورها بوصفها كائنات تمتلك حساسية استثنائية تجاه ما هو قادم.
أما الطيران فيمثل تجاوزاً لقوانين الواقع. فالكلاب الطائرة ليست حدثاً واقعياً، بل صورة حلمية تكشف رغبة السرد في التحرر من حدود الممكن. فالطيران هنا رمز للانعتاق من الأرض التي ستشهد الكارثة، كما أنه صورة استباقية للخلاص قبل وقوع الدمار.
ويتخذ الحلم وظيفة استشرافية، إذ لا يُقدَّم بوصفه انقطاعاً عن السرد، بل باعتباره قناة رمزية للكشف عما سيحدث لاحقاً. ومن ثم يتحول الحلم إلى نص موازٍ يختزن الحقيقة قبل تجليها في الواقع.
يعكسُ النباحُ الجماعي دلالة قوية فيمثل العلامة الأكثر وضوحاً في الرواية. فهو ليس مجرد صوت حيواني، بل خطاب إنذاري صادر من الطبيعة نفسها. إن النباح هنا يسبق الزلزال، ويؤسس لما يمكن تسميته بلغة الكائنات غير البشرية التي تحاول تنبيه الإنسان إلى الخطر المحدق به.
العجائبي والفانتازيا بين التردد والكشف:
ينبني العجائبي في الرواية على حالة التردد التي يعيشها شان أمام ظاهرة اختفاء الكلاب. ففي لحظة من القلق والتشوش يتساءل:
“قد تكون الكلاب ساحرات أو جنيات!!”
وتكشف هذه العبارة عن انتقال الشخصية من دائرة التفسير الواقعي إلى دائرة التأويل العجائبي. وهنا تتجسد رؤية تزفيتان تودوروف الذي يرى أن العجائبي يقوم على التردد بين تفسيرين: طبيعي وخارق للطبيعة.
غير أن الروائي العراقي (فاضل الكعبي) لا يترك القارئ داخل هذا التردد إلى النهاية، بل يكشف لاحقاً أن ما بدا عجائبياً كان مرتبطاً بحقيقة واقعية هي استشعار الكلاب للخطر الزلزالي. وبذلك تتحول الفانتازيا من وسيلة للإيهام إلى أداة للكشف، ويصبح الخيال طريقاً لفهم الواقع لا للهروب منه.
تسريد الكارثة المؤجلة: بناء الحدث قبل وقوعه:
من أهم الخصائص الفنية للرواية أنها لا تقدم الكارثة دفعة واحدة، بل تعمل على تشييدها تدريجياً عبر سلسلة من العلامات السردية. فاختفاء لوفي، واختفاء الكلاب الأخرى، والحلم، والنباح الجماعي، كلها عناصر تبدو منفصلة في البداية لكنها تتجمع لاحقاً لتشكل نسيج الكارثة.
وقد أدرك شان منذ البداية أن الأمر يتجاوز مجرد ضياع كلب، لذلك اتجه إلى المعرفة والبحث حين قال:
“هل أجد عندك كتاباً عن الكلاب؟”
إن هذا السؤال البسيط يمثل نقطة تحول في الرواية، لأنه ينقل الحدث من مستوى الواقعة اليومية إلى مستوى السؤال المعرفي. فالبطل لا يبحث عن الكلب فقط، بل يبحث عن تفسير لظاهرة تتجاوز إدراكه.
وهكذا تتحول الكارثة إلى حدث مؤجل، تتكاثر حوله الإشارات قبل أن يقع فعلياً. وهذا ما يمنح السرد توتراً متصاعداً يجعل القارئ شريكاً في الانتظار والترقب.







