
قناع الكاتب الجاهز للعرض| سعيدة بركاتي ناقدة تونسية
قناع الكاتب الجاهز للعرض
من أكثر الأقنعة انتشارًا وإزعاجًا في وسطنا الأدبيِّ هو قناع ” الكاتب الجاهز للعرض ” : وجه دائم الابتسامة و البشاشة ، يقتنص اللحظة قبل المعنى ويقدّم النص كمنتج سريع للاستهلاك لا كتجربة عاشها .
في المحافل الأدبية تراهُ أول الحاضرين ، جمله جاهزة للتعقيب يعلّق بكلمات فخمة لا يعرف هو ذاتهه كيف وصل إليها… يحفظ الاقتباسات أكثر مما يفهم سياقاتها ، فيحوّل اقتباس فلان إلى ترويسة على صورة ، وقول فلان إلى توقيعٍ في آخر خاطرة … لا يهتم إن فهم الآخرين قصده ،
وإن سألته عن النصِّ أجابة بكل ثقة الأدباء : ” شعور يصعبُ وصفه” . فالهلامُ اللغوي مأمنُهُ ، لا يخاطر برأي واضح ، ولا يتحمّل مسؤولية معنىً قد يُساء فهمه . الكلمةُ عندهُ زينة لا أمانة ، والحزنُ مادّة مسرحيّة يُعيد تمثيلَها ليجمع أكبر عدد ممكن من التفاعلات .
أما الأدهى ، حين يضع هذا القناع ، قناع الذكاء الاصطناعيّ لا يذكر البتة أنّه استعان به بل يقدّم انتاجه على أساس تجربة صعبة كولادة عسيرة من رحمِ الفكر . فيختلط الخيال بالواقع وتفقدُ الكلمة ثقلَها لأنّها لم تولد فعلا من رحم تجربة صاحبها .
ما يزعجُني ليس الضعف في الكتابة ، بالعكس الضعف يعلم و من خلاله يصبح ناضجا . ما يزعجُني هو ادّعاء الكمال قبل المحاولة ، واستبدالُ صدق العثرة ببريق العرض . هنا تتحوّل الكتابة من مواجهة مع الذات إلى استعراض أمام الآخر ، حينها يصبح الأدب سوقا للألقاب .
أمنيتي لو سقط هذا القناع يوما … جميعنا سيرى ما وراءه : إنسانًا خائفًا ، متردّدًا ، لا يحب مواجهته بالحقيقة ، ستسقط منه كل الألقاب التي حصدها دون جهد و مثابرة . لكن ، سنشعر بأنه كان صادقا في محاولته الأولى … فالنص الصادق و الحقيقي لا يولد من الاستعراض ، بل من ذلك الصمت الذي يسبق الاعتراف بأنّني ؛ لا أعرف فأنا أريدُ أن أفهم .
بقلمي : سعيدة بركاتي/ تونس 🇹🇳






