لاتبيعوا بيت الجد| نور الهدى قرباز

اكاديمية |الجزائر
هناك بيوتٌ لا تُقاس بالمتر المربع، ولا تُقدَّر بثمن الأرض، ولا تساويها كل العمارات التي ارتفعت من الإسمنت والزجاج. بيوتٌ إذا سقط سقفها، بقيت السماء تبكي فوق أنقاضها؛ لأنها لم تكن جدرانًا، وإنما ذاكرة أمةٍ صغيرة اسمها العائلة.
بيتُ الجد لم يكن منزلًا… كان وطنًا.
كان الباب الخشبي العتيق يئن كلما دُفع، وكأنه يعلن للدار: لقد عاد الأحبة. وكانت الجدران الطينية تحتفظ برائحة الشتاء والصيف معًا، ورائحة الخبز، والحليب، والحطب، والشيح، والنعناع، ورائحة الأيدي التي بنتها بحب. أما السقف، المصنوع من جذوع النخل والقصب، فكان شاهدًا على أعوامٍ طويلة من الضحك والدعوات والدموع.
في الزاوية رحى قديمة، وقربة ماء معلقة، وصندوق خشبي يخبئ ثياب الأعياد، وأوانٍ نحاسية تلمع رغم عمرها، ومسبحة الجد فوق رفٍ صغير، وعصاه تستند إلى الحائط كأنها ما زالت تنتظر يده.
كل شيء في ذلك البيت كان حيًّا… حتى الصمت كان له نبض.
الجمعة موعد لا يتخلف، والعيد لا يكتمل إلا ببابه المفتوح، ويناير لا يعرف معناه إلا في ساحته، حيث كانت الجدة توقظ النار قبل أن يستيقظ النهار. تجلس أمام الموقد، تلف رأسها بمنديلها الأبيض، وقد حفرت السنون على يديها خطوطًا تشبه خرائط المحبة. كانت تقلب الغرايف على الصاج بحركة تحفظها يداها منذ عشرات السنين، وتعد الشرشم، فيفوح عبير القمح المطبوخ والزبدة والسمن البلدي، فيملأ البيت حتى تشعر أن الجدران نفسها تشتهي الطعام.
كانت تبتسم وهي تقول: “اجمعوا الأولاد… الطعام يبرد، أما القلوب فلا ينبغي أن تبرد.”
أما الجد، فكان يخرج بعباءته الصوفية، وعمامته البيضاء، ولحيته التي اختلط فيها بياض العمر بلون السنابل، يمشي بخطوات هادئة، لكنها مهيبة. ينظر إلى ساحة الدار الممتلئة بأبنائه وأحفاده، فتلمع عيناه بفرحٍ لا تستطيع الكلمات أن تصفه.
كان يختار شاةً من قطيعه، يربت على رأسها، ثم يذبحها وهو يحمد الله، لا لأنه غني، بل لأنه كان يرى أن اجتماع العائلة أغلى من كل قطيع، وأن الضحكة التي ترتسم على وجه حفيده أربح من ألف صفقة.
لو فكر بعقل الأرقام كما نفكر اليوم، لقال: أبيعها وأزيد مالي. لكنه كان يعرف ما نسيناه؛ أن المال يُجمع ويُترك، أما العائلة فإن تفرقت، فلن يجمعها بنك، ولن يشتريها سوق.
كان ينظر إلى المائدة الممتلئة بالأيدي قبل الطعام، فيبتسم في صمت. ذلك الامتداد البشري كان إنجازه الحقيقي. لم يكن يفتخر بعدد الأشجار ولا بعدد الرؤوس في القطيع، وإنما بعدد القلوب التي اجتمعت تحت سقف واحد، وعدد الأطفال الذين ينادونه: “جدي…” كأنها أجمل شهادة حصل عليها في حياته.
ذلك الاجتماع لم يكن من أجل الوالدين وحدهما، وإنما من أجل الأبناء. كان الكبار يدركون أن أبناء العمومة إذا لم يجمعهم اللعب صغارًا، فرقتهم الحياة كبارًا. كانوا يبنون صلة الرحم قبل أن يحتاجها أحد، ويزرعون الألفة قبل أن تأتي سنوات الغياب.
وكان الأطفال يركضون في فناء الدار حفاةً أحيانًا، يطاردون الدجاج، ويتسابقون إلى شجرة التين والرمان، ويتخاصمون دقائق، ثم يتصالحون قبل أن تغرب الشمس. لم تكن هناك ألعاب إلكترونية، لكن كانت هناك طفولة كاملة.
أما الجدة، فلم تكن امرأةً تجيد الطبخ فقط، بل كانت مكتبةً تمشي على قدمين. ما إن ينتهي العشاء حتى يجلس الأحفاد حولها، وتبدأ الحكايات. تروي لهم لونجة بنت السلطان، ونجمة خضار، وحكاياتٍ أخرى خرجت من ذاكرة الأجداد، فتزرع فيهم الشجاعة، والصدق، والوفاء، والصبر، من غير أن تقول لهم يومًا: “هذا درس.”
وكان الجد يضم المصحف إلى صدره، ثم ينادي أحفاده واحدًا واحدًا، يصحح لهم قراءة سور القرآن، ويبتسم إذا أتقن أحدهم آية، ويعيدها معه إذا أخطأ، فلا يخرج الطفل من مجلسه إلا وقد تعلم حرفًا، وأدبًا، ودعاءً.
ذلك هو الاستثمار الحقيقي.
ليس الاستثمار حسابًا مصرفيًا، ولا قطعة أرض، ولا تجارةً تتبدل أرباحها. الاستثمار أن تمنح أبناءك عائلة يعرفونها، وأن تمنح أحفادك جذورًا يعودون إليها، وأن يفرح الطفل لأن جده احتضنه، لا لأن هاتفًا جديدًا وُضع في يده.
الاستثمار أن تلعب مع حفيدك، لا أن تشتري له لعبة وتمضي. أن تفرح لنجاحه، وتربت على كتفه إذا تعثر، وأن تترك له من الذكريات ما يعينه على قسوة الأيام.
لقد أقنعتنا الحياة أن النجاح هو كثرة الممتلكات، بينما كان أجدادنا يعلمون أن النجاح هو كثرة الأحبة.
نحن ندخل الدنيا بلا شيء، ونغادرها بلا شيء. لا يحمل الإنسان معه بيتًا، ولا حسابًا، ولا قطيعًا، ولا أرضًا. الذي يرافقه إلى قبره دعوة حفيد تربى على يديه، ودمعة ابن اشتاق إليه، وذكرى بيتٍ جمع القلوب قبل أن يجمع الأجساد.
وربما كانت أعظم مآسي هذا العصر أننا لم نهجر بيت الجد فحسب… بل هجرنا الفكرة التي بُني من أجلها. أغلقنا بابه، وتركنا معه دفء العائلة، وتقاسمنا الميراث، ونسينا أن أعظم ميراث لم يكن الأرض، بل الاجتماع حول مائدة واحدة.
فلا تبيعوا بيت الجد…
فقد يأتي يومٌ يقف فيه حفيدك أمام بيتٍ لا يعرفه، ويقرأ اسم جده على شاهد قبر، ثم يسأل بحسرة: أين كانت العائلة التي كان يتحدث عنها أبي؟
ولن يجد أحدًا يجيبه… إلا رائحة الطين، وبابًا خشبيًا أنهكه الانتظار.