ملح في فم الوقت | حيدر الأديب

كاتب وناقد |عراقي
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
أستيقظ وفي فمي طعمُ أمسٍ كثير. في فمي صولاتٌ من قُبَلٍ لم تُحسَمْ، في فمي غروبٌ توسّد شجرةً، فحلم أنَّ كلمةَ صلحٍ يتيمةٌ غادرها عاشقان.

أغسل وجهي، فيبقى الليل عالقاً تحت العينين، وتبقى المرآة واقفةً أمامي مثل عاملٍ تعب من حمل الوجوه. أضع القميص على جسدي، فيدخل العمر من الأكمام: تجاعيد صغيرة، رائحة طريق، غبار كلامٍ قلته ثم ندمت عليه. ما أضيق الجسد عندما يصير دفترَ حضورٍ للغياب.

هل يدخل العمر من الأكمام، أم من أغنيةٍ هي جرُّ الحبل بين اسمك ونبضٍ ينتابه الشوق إليك؟
في المقهى يبرد الشاي قبل أن أصل إلى نفسي. رجلٌ يطوي جريدته، فتُطوى مدينةٌ كاملة بين يديه، وامرأةٌ تمرّ قرب الباب، فيتحرّك الهواء بين ساقيها ويلفح وجعي. أعلّق على ذلك بابتسامةٍ، وبقصيدةِ نثرٍ تستغرق كل حرائقي حتى الواحدةِ ليلاً وخمسِ هزائمَ.

لا أحد ينتبه إلى المعجزة: ملعقةٌ تدور في كأس، وتوقظ سكراً غارقاً في القاع؛ يدٌ تمسح طاولةً، فيطلع منها بردُ أيدٍ كثيرة؛ وسيجارةٌ تُطفأ في المنفضة، فينهض دخانها كآخرِ رأيٍ لرجلٍ خسر الكلام.

أريد حياةً أخفَّ من هذا الحذاء، وأوسعَ من هذا الصدر. حياةً تضع موتاها في مزهريةٍ، وتقول لهم: ابقوا قليلاً، فالبيت بلا أصواتكم يصدأ. أريد أن أخرج من اسمي كما يخرج الدخان من فم المدخّن: طائشاً، متكسّراً، حرّاً، ثم أعود إلى ذكرياتي بحفنة هواء، وأسألها إن كان في الحنان مكانٌ لرجلٍ تأخر كثيراً عن طفولته.