
أوغاريت..حين كانت سنبلة القمح اقوى من السيف (عندما همست لنا ألواح الطين بنداءات الإستغاثة)|الدكتور غسان القيم
كاتب وباحث ومؤرخ أكاديمي| سوري
“””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””
لم تكن أوغاريت مدينةً تتباهى بأسوارها وحدها ولا بمرافئها التي ازدحمت بالسفن القادمة من جهات البحر الأربع. بل كانت تتباهى بشيءٍ أكثر نبلاً وأشد أثراً في حياة البشر: كانت تتباهى بسنابلها الذهبية.
فبينما انشغل الملوك بعدّ الجيوش والعربات الحربية كانت ألواح الطين القادمة من أرشيف أوغاريت تحفظ لنا وجهاً آخر من وجوه الحضارة وجهاً تُقاس فيه عظمة الدول بقدرتها على إطعام الجائعين لا بعدد الحصون التي تبنيها. ومن بين سطور تلك الرسائل المسمارية يبرز مشهد مؤثر لبلاد الأناضول وهي تواجه سنواتٍ قاسية من الجفاف والمجاعة والاضطرابات الداخلية فتتجه الأنظار نحو السهول السورية الخصبة ونحو أوغاريت تحديداً بحثاً عن القمح والشعير اللذين أصبحا آنذاك قضية “حياة أو موت”.
وحين يصف الملك الحثي شحنة الحبوب المنتظرة بأنها أمر عاجل للغاية فإننا لا نقرأ مجرد تعليمات إدارية بل نسمع صدى القلق الذي كان يخيّم على إمبراطورية كاملة. كانت الحبوب القادمة من موكيش تمر عبر أوغاريت ومرافئها لتتابع رحلتها نحو أورا في كيليكية وكأن المدينة الأوغاريتية تحولت إلى شريان حياة يغذي قلب الأناضول المنهك.
لقد أدرك أهل أوغاريت منذ زمن بعيد، أن التجارة ليست تبادلاً للسلع فحسب بل تبادلٌ للأمل أيضاً. لذلك لم تكن سفنهم تحمل النحاس والخشب والزيوت والأقمشة فقط بل كانت تحمل معها قدرة الإنسان على النجاة في أوقات الشدة. ولهذا استحقت أوغاريت مكانتها بين أعظم مدن الشرق القديم ليس لأنها كانت غنية فحسب بل لأنها عرفت كيف تجعل من خيرات أرضها جسراً يصل بين الشعوب.
وإذا كانت السنوات الأخيرة من عمر المملكة قد شهدت اضطرابات كبرى من جفاف ومجاعات وصراعات وغزوات ما عرفوا بشعوب البحر فإن تلك الألواح الطينية ما تزال تروي لنا حكاية مدينة وقفت في وجه الأزمات بما تملك من حكمة وتنظيم وعلاقات واسعة مع جيرانها.
لقد كانت أوغاريت تدرك أن الحضارة الحقيقية لا تُبنى على القوة وحدها بل على التعاون والتكافل بين الأمم.
وها هي السنابل التي خرجت من حقولها قبل أكثر من ثلاثة آلاف عام ما تزال تنبت في الذاكرة. وما يزال بعل سيد الغيث والخصب في المخيال الأوغاريتي يحضر كلما رفع فلاحٌ عينيه نحو السماء مترقباً أول قطرة مطر. فالأرض التي أنجبت تلك الحضارة لم تتوقف يوماً عن منح الحياة ولم تتخلَّ عن رسالتها في العطاء.
لهذا ستبقى أوغاريت أكثر من مدينة أثرية نقرأ أخبارها في الكتب ستبقى رمزاً للأرض التي أطعمت الجائع وفتحت أبوابها للغريب ومدّت يدها إلى جيرانها في أوقات المحن. وستبقى حيةً في كل سنبلة قمح تتمايل فوق تراب سورية وفي كل فلاح ينتظر المطر مؤمناً بأن أرضه ما تزال أرض بعل وأن الخير الذي زرعته أوغاريت في التاريخ لم يجفّ ولن يجف.
عاشق أوغاريت..
.𐎂𐎎𐎐 𐎍𐎖𐎊𐎎

الصورة المرفقة بعدستي منظر عام لمدينة اوغاريت الآثرية عندما تشرق منها شمس الصباحات الجميلة







