
قراءة نقدية في نص(متسللا من نافذة المساء)للكاتب العراقي كرار السعد|سعيدة بركاتي
كاتبة وناقدة|تونسية
يبدأ النص بجريمة صغيرة ( التسلل كسارق ) : “متسللاً من نافذة المساء ، أرتدي سحر كلماتي الخفية تحت عريشة أحلامكِ” . فما الذي يعنيه هذا العبور ” التسلل” من النافذة لا من الباب ؟
إنه إعلان أن ما سيحدث لن يتم بالطرق الرسمية للغة . “المساء” زمن المباحات ، و “النافذة” طريق الممنوع ، و “العريشة” فضاء خاص جداً .
من السطر الأول يضعنا كرار السعد أمام فعل اقتحام : اقتحام للأحلام / و اقتحام للغة نفسها .
لكن لماذا هذا التسلل كله ؟ ما الغاية منه ؟
الغاية تتضح في السؤال المركزي الذي يقوم عليه النص كله : “ماذا كنتِ تسمين جسدكِ ؛ قبل أبجدية القصائد ؟”
هنا نكتشف أن الشاعر لا يصف جسداً جاهزاً ، بل يؤسسه . فقبل القصيدة كان الجسد فوضى دون اسم . و الشاعر جاء ليمنحه شهادة ميلاد . أليس هذا ما تفعله الأسئلة التالية ؟
“بأي لون تحجزين تذكرةً لشفاهكِ ؛ قبل أن تحلّق في قُبلة عابرة ؟” الشفاه هنا لم تعد عضواً ، بل أصبحت مسافرة لها وجهة و لون .
“كيف تقيسين باقة خصركِ ؛ دون عناق طفل ؟”
هنا رفض لشريط القياس و استبداله بمقياس بريء مخاتل ، كأنه يطهّر الجسد من المادي و يعيده إلى الرمز .
ثم يبلغ التأسيس ذروته في الصورتين : “شفاهكِ هذه ، خمرٌ في زجاجة فمي / و صدركِ هذا ، منحوتٌ لحديقة أطفال” ” كثر من استعمال أسماء الإشارة للتحديد ” . ينقل الجسد من خانة الشهوة إلى خانة المقدس و الفن . الخمر نشوة و قداسة ، و المنحوت خلود ، و حديقة الأطفال براءة . فهل الشاعر يغازل إذن ؟ لا ، هو ينحت بالكلمات جسداً لم يكن موجوداً قبلها .
فإلى أين تقودنا كل هذه اللعبة اللغوية ؟ و ما هي نهاية هذا التأسيس ؟
النهاية تأتي صادمة و حاسمة في الخاتمة : “الآن أصبحت كلماتي مكتوبةً بالأصابع تتحسسين الحروف كلما نضجت نقاطها و تنامين عاريةً إلى الأبد .”
ماذا حدث هنا ؟ ماتت اللغة المقروءة و ولدت لغة اللمس ؛ “نضجت نقاطها” لم تعد علامة إعراب بل علامة نضج جسدي . و بعد كل هذا البناء بالكلمات يتخلى الشاعر عنها تماماً ، لأن “عارية إلى الأبد” هي اللغة الأخيرة التي لا تحتاج إلى ترجمة .
فيتضح جلياً مما تقدم أن النص ليس قصيدة غزل تقليدية ، بل هو فعل تأسيس .
الشاعر يتسلل باللغة لا ليصف الجسد ، بل ليخلقه ، و يسميه ، ثم يرمي باللغة جانباً ليعيش فيه .
الرحلة كاملة تبدأ بالفضول “ماذا كنتِ تسمين”، و تمر بالرغبة “خمر في زجاجة فمي”، و تنتهي بالخلود “تنامين عارية إلى الأبد” .
و هكذا يثبت النص أطروحة ” خطيرة ” : ليس الجسد هو الذي يسبق الكلمة ، بل الكلمة هي التي تسبق الجسد و تلده . و الغاية من كل هذه الأبجدية … كانت دائماً أن نصل إلى مكان لا نحتاج فيه إلى أبجدية .
بوركت و شكراً شاعرنا Karrar Alsaad على هذا النص الذي لا يُقرأ بالعين بل بالقلب و كل الحواس ، شكراً لأنك لم تكتفِ بوصف الجسد ، بل منحته لغة و شهادة ميلاد ، فجعلت من السؤال الأول “ماذا كنتِ تسمين جسدكِ قبل أبجدية القصائد” فعل خلق كامل . دخلت من نافذة المساء لا من الباب ، لأن ما تقوله لا يقال في وضح النهار ، و تسللت بكلماتك الخفية حتى حولت الشفاه إلى تذكرة سفر و الخمر إلى زجاجة في الفم ، والمنحوت إلى حديقة أطفال ، فجمعت بين القداسة و البراءة و الرغبة في صورة واحدة لا تخدش ..
و أعظم ما في النص خاتمته ، حين قتلت اللغة المقروءة و أحييت لغة اللمس ، فصرنا نقرأ “نضجت نقاطها” لا كعلامة إعراب بل كعلامة نضج ، و نفهم أن كل هذا التأسيس بالكلمات كان تمهيداً فقط لنصل إلى “عارية إلى الأبد” حيث تسكت الحروف و ينطق الجسد .
سلمت يدك شاعرنا ، هذا نص نحّات لا كاتب ، ينحت من الأبجدية جسداً ثم يرمي بالأبجدية و يبقى مع الجسد ، نص يبقى في الصدر أياماً بعد قراءته …
النص :
متسلّلاً من نافذة المساء، أرتدي سحر كلماتي الخفية
تحت عريشة أحلامكِ، العب لعبة الألفاظ والمعاني
ماذا كنتِ تسمين جسدكِ؛
قبل أبجدية القصائد؟
بأي لون تحجزين تذكرةً لشفاهكِ؛
قبل أن تحلّق في قُبلة عابرة؟
كيف تقيسين باقة خصركِ؛
دون عناق طفل؟
شفاهكِ هذه، خمرٌ في زجاجة فمي
وصدركِ هذا، منحوتٌ لحديقة أطفال …
… الآن أصبحت كلماتي مكتوبةً بالأصابع
تتحسسين الحروف كلما نضجت نقاطها
وتنامين عاريةً إلى الأبد.








