
قراءة نقدية في روايةمدينة النساء للروائي الأمين السعيدي حين تصبح المراة مرآة لمدينة بأكملها |احلام وسلاتي
كاتبة وناقدة تونسية
حين بدأت قراءة رواية «مدينة النساء»، لم أتعامل معها باعتبارها مجرد حكاية عن النساء، بل شعرت منذ الصفحات الأولى أنني أمام عالم يحاول أن يكشف شيئًا أعمق: علاقة المرأة بالمجتمع، وبالسلطة، وبالحب، وبنفسها أيضًا. ولهذا وجدتني لا أقرأ الرواية من الخارج، بل أعيش بعض أسئلتها وأتوقف عند تفاصيلها وكأنها تطرح عليّ أسئلة شخصية.
ما شدّني في الرواية هو أن المرأة لا تظهر فيها كصورة واحدة أو شخصية نمطية. نحن أمام نساء مختلفات في أفكارهن وتجاربهن ومواقفهن، لكنهن يجتمعن في شيء أساسي: البحث عن مساحة يكون فيها لهن صوت وقرار وحق في أن يكنّ أنفسهن. وهذا في رأيي هو أحد أهم جوانب الرواية، لأنها لا تقدم المرأة باعتبارها ضحية فقط، ولا تجعلها بطلة مثالية، وإنما تقدمها بضعفها وقوتها وتناقضاتها.
وأنا أقرأ، وجدت نفسي أتساءل: هل يمكن فعلًا أن تكون هناك «مدينة للنساء» بالمعنى الحقيقي؟ أم أن المدينة التي تتخيلها الرواية هي في النهاية حلم بالحرية أكثر منها مكانًا جغرافيًا؟ بالنسبة إليّ، المدينة هنا تبدو رمزًا لمجتمع تتمنى المرأة أن تعيش فيه دون أن تضطر باستمرار إلى الدفاع عن حقها في الاختيار.
ومن أكثر الأشياء التي أثرت فيّ أن الرواية تضعنا أمام التناقض بين ما يقال عن المرأة وما تعيشه المرأة فعلًا. كثيرًا ما يتحدث المجتمع عن حمايتها، لكنه في الوقت نفسه يفرض عليها قيودًا كثيرة باسم العادات والتقاليد والخوف من كلام الآخرين. وقد شعرت وأنا أقرأ أن الرواية لا تهاجم الرجل بقدر ما تكشف منظومة كاملة من الأفكار التي تجعل المرأة أحيانًا سجينة لنظرة المجتمع إليها.
ولعل أجمل ما في الرواية بالنسبة إليّ هو أنها جعلتني أفكر في مفهوم الحرية. فالحرية ليست فقط أن نغادر مكانًا أو نكسر قيدًا واضحًا، وإنما هي أيضًا أن نمتلك القدرة على التعبير عن أنفسنا، وأن نختار، وأن نقول «لا» عندما نريد، وأن نعيش دون أن نشعر بالذنب لأننا اخترنا طريقًا مختلفًا.
وبصفتي امرأة عشت سنوات طويلة في التعليم والعمل وتحملت مسؤوليات مختلفة، وجدت بعض أسئلة الرواية قريبة مني. فالمرأة في مجتمعاتنا لا تزال مطالبة بأن تكون قوية، وأن تتحمل، وأن تقوم بأدوار متعددة في الوقت نفسه، وكأن التعب ليس من حقها، وكأن التردد أو الضعف أو الرغبة في الاهتمام بنفسها نوع من الأنانية. لذلك فإن الحديث عن المرأة في الأدب بالنسبة إليّ ليس موضوعًا بعيدًا عن الواقع، بل هو حديث عن حياتنا اليومية وعن أشياء نعيشها وربما لا نجد دائمًا الكلمات المناسبة للتعبير عنها.
كما أن الرواية جعلتني أفكر في العلاقة بين المرأة والنساء الأخريات. أحيانًا يكون المجتمع قاسيًا على المرأة، لكن المرأة نفسها قد تصبح جزءًا من هذه القسوة عندما تحاكم امرأة أخرى وفق المعايير نفسها التي فُرضت عليها. ومن هنا تصبح التضامن بين النساء مسألة مهمة، لأن الحرية الفردية لا تكتمل إذا بقيت المرأة تنظر إلى المرأة الأخرى باعتبارها منافسة أو خصمًا.
أما من الناحية الفنية، فقد وجدت أن قوة الرواية لا تكمن فقط في الأحداث، وإنما في قدرتها على خلق أسئلة تبقى مع القارئ بعد نهاية القراءة. وهذا بالنسبة إليّ هو الأدب الحقيقي: الكتاب الذي ننهي صفحاته، لكنه لا ينتهي داخلنا. قد نختلف مع بعض الشخصيات أو مع بعض الأفكار، وقد نتفق مع أخرى، لكن المهم أن الرواية تجعلنا نفكر.
في النهاية، لم أخرج من «مدينة النساء» بإجابة واحدة، بل خرجت بمجموعة من الأسئلة. وربما هذا هو الشيء الذي أعجبني فيها أكثر. لقد جعلتني أفكر في المرأة التي تبحث عن حريتها، وفي المرأة التي تخاف من الحرية، وفي المرأة التي تبدو قوية أمام الآخرين بينما تخفي داخلها الكثير من الألم والأسئلة.
بالنسبة إليّ، «مدينة النساء» ليست مجرد مدينة تسكنها النساء، وإنما هي حلم بمدينة أكثر عدلًا وإنسانية، تستطيع فيها المرأة أن تكون امرأة كما تريد هي، لا كما يريدها الآخرون.
ولهذا أعتقد أن قيمة الرواية لا تكمن في كونها تتحدث عن النساء فقط، بل في أنها تجعلنا نتساءل عن المجتمع الذي نصنعه نحن جميعًا، وعن المكان الذي نمنحه للمرأة داخله.
وربما بعد أن أغلقت الكتاب، بقي سؤال واحد يرافقني:
هل تحتاج المرأة فعلًا إلى مدينة خاصة بها، أم أنها تحتاج فقط إلى مجتمع يعترف بحقها في أن تكون كاملة الحرية والاختيار؟








