
التعاقد مع المدرب الأجنبي خيار استراتيجي أم مؤشر على أزمة التخطيط والحوكمة؟|الدكتور أحمد بوسكرة
أستاذ الإدارة والتسيير الرياضي
جامعة المسيلة – الجزائر
تشهد البطولة الجزائرية هذا الموسم حراكًا لافتًا على مستوى التعاقد مع المدربين، حيث اتجه عدد معتبر من أندية القسم الوطني الأول، خاصة تلك المعنية بالمنافسات القارية، إلى الاستعانة بمدربين أجانب، وبصفة خاصة من المدرسة التونسية. ويعد هذا التوجه ظاهرة تستحق القراءة والتحليل، لأنها لا ترتبط فقط بالجانب الفني، وإنما تعكس في كثير من الأحيان فلسفة التسيير داخل الأندية، ومدى ارتباط قرارات التعاقد برؤية استراتيجية واضحة وأهداف رياضية محددة ضمن المشروع الرياضي للنادي.
فالاستعانة بمدرب أجنبي لا تعني بالضرورة ضمان النجاح، كما أن الاعتماد على المدرب الوطني ليس ضمانًا لتحقيق النتائج. فالمعيار الحقيقي يتمثل في اختيار المدرب الأكفأ، القادر على الانسجام مع المشروع الرياضي للنادي، وتحقيق أهدافه وفق مؤشرات أداء واضحة، بغض النظر عن جنسيته.
غير أن ما يثير النقاش في البطولة الجزائرية هو حالة عدم الاستقرار الفني التي أصبحت تميز العديد من الأندية، إذ إن بعضها يغيّر المدرب أكثر من مرة خلال الموسم نفسه، بينما نادرًا ما يحتفظ نادٍ بمدربه إلى غاية نهاية الموسم الرياضي. كما تتكرر ظاهرة تداول الأسماء نفسها بين الأندية، فيتحول سوق المدربين إلى عملية إعادة تدوير للأجهزة الفنية أكثر منه بحثًا عن كفاءات جديدة أو مشاريع تدريبية طويلة المدى.
كما يلاحظ هذا الموسم التوجه المكثف نحو التعاقد مع مدربين سبق لبعضهم العمل في البطولة التونسية أو الجزائرية. والسؤال هنا لا يتعلق بتقييم أشخاص أو جنسيات، وإنما بمنهجية الاختيار: هل تستند الأندية إلى دراسة علمية لنتائج المدرب السابقة، وأسلوبه في العمل، ومدى توافقه مع احتياجات الفريق، أم أن الاختيار يبقى خاضعًا لاعتبارات ظرفية وضغط النتائج والوسطاء والعلاقات؟
ويفرض هذا الواقع مجموعة من التساؤلات الجوهرية:
هل يتم اختيار المدربين بناءً على دراسة دقيقة لاحتياجات الفريق، وأسلوب اللعب، وأهداف النادي، ومؤشرات الأداء؟
أم أن التعاقدات تخضع لضغط النتائج الآنية، أو لإرضاء الجماهير، أو لتأثير الوسطاء والعلاقات الشخصية؟
وهل تمتلك الأندية الجزائرية معايير موضوعية ومؤشرات أداء واضحة لتقييم المدرب قبل التعاقد معه وبعده؟
وهل يخضع المدرب لتقييم دوري يعتمد على جودة الأداء، وتطوير اللاعبين، وتحقيق أهداف المشروع الرياضي، أم يبقى مصيره مرتبطًا بنتيجة مباراة أو سلسلة من النتائج؟
ومن جهة أخرى، يبرز تساؤل آخر يتعلق بمكانة المدرب الجزائري. فالواقع يبين أن العديد من المدربين الجزائريين أثبتوا كفاءتهم في عدد من البطولات العربية والإفريقية، كما يشرف بعضهم على أندية ومنتخبات خارج الجزائر، وهو ما يعكس امتلاك الجزائر لرصيد بشري مؤهل في مجال التدريب.
كما أن الاتحاد الجزائري لكرة القدم يواصل تنظيم دورات تكوينية للحصول على شهادات تدريب معتمدة من الاتحاد الإفريقي لكرة القدم والاتحاد الدولي لكرة القدم، واستفاد منها مئات المدربين خلال السنوات الأخيرة. غير أن الملاحظ أن عددًا كبيرًا من هؤلاء لا يجدون فرصًا حقيقية للعمل في أندية القسم الوطني الأول.
وهنا يبرز السؤال الحقيقي:
أين يكمن الخلل؟
هل هو في مستوى المدربين الجزائريين؟
أم في منظومة التكوين؟
أم في آليات اختيار المدربين؟
أم في غياب الحوكمة داخل الأندية؟
أم في ضعف الشفافية والمساءلة في اتخاذ القرارات المتعلقة بالتعاقدات؟
ومن زاوية الحوكمة، فإن التعاقد مع أي مدرب ينبغي أن يكون جزءًا من مشروع رياضي متكامل، تحدد فيه الأهداف، والموارد، والصلاحيات، وآليات المتابعة والتقييم. فالمدرب، مهما بلغت كفاءته، لا يستطيع النجاح في بيئة يغيب عنها الاستقرار الإداري، أو تتغير فيها القرارات باستمرار، أو تفتقر إلى رؤية استراتيجية واضحة.
وتؤكد التجارب الدولية أن الأندية الناجحة لا تبحث فقط عن اسم كبير، وإنما عن مدرب ينسجم مع فلسفة النادي، ويملك القدرة على تطوير اللاعبين، وبناء هوية فنية واضحة، وإدماج المواهب الشابة في الفريق الأول، وتحقيق الاستدامة الفنية. ولذلك يعد استقرار الأجهزة الفنية أحد أهم مؤشرات الحوكمة الرشيدة في كرة القدم الاحترافية.
ومن هنا، فإن النقاش الحقيقي لا ينبغي أن يكون بين المدرب الوطني والمدرب الأجنبي، وإنما بين التسيير القائم على التخطيط والتسيير القائم على ردود الأفعال.
فالمدرب لا يستطيع تعويض غياب المشروع الرياضي، كما أن أفضل الكفاءات التدريبية لن تحقق النجاح في بيئة تفتقر إلى الحوكمة والاستقرار المؤسسي.







