قيد حرية الإنسان

.قيد حرية الإنسان

 

المحامية الدكتورة آمنة آل عبدالسلام / سلطنة عمان

 

تُعَدّ الحرية من أسمى القيم التي يتطلع إليها الإنسان، فهي أساس الكرامة، وشرط من شروط بناء الشخصية المستقلة القادرة على التفكير والاختيار وتحمل المسؤولية. غير أن الحرية، على سموّها، ليست حقًا مطلقًا ينفصل عن القيم والقوانين وحقوق الآخرين؛ فالإنسان يعيش في مجتمع تتداخل فيه المصالح، وتتقاطع فيه الحريات، ومن ثمّ لا بد أن تقترن حريته بالوعي والمسؤولية.

 

وتتعدد صور القيود التي تحدّ من حرية الإنسان. فمنها ما هو ظاهر، كالقوانين والأنظمة التي تنظم حياة الأفراد وتحفظ حقوقهم، ومنها ما هو غير ظاهر، كالعادات الاجتماعية الجامدة، وضغط الجماعة، والخوف من النقد، والتردد في اتخاذ القرار. وقد تكون بعض القيود نابعة من داخل الإنسان نفسه؛ إذ قد يستسلم للخوف، أو يضعف أمام آراء الآخرين، أو يعجز عن التعبير عن قناعاته خشية الرفض أو العزلة.

 

ومع ذلك، ليس كل قيد انتقاصًا من الحرية؛ فبعض القيود ضرورة لا غنى عنها لاستقرار المجتمع. فالقانون العادل لا يهدف إلى مصادرة حرية الفرد، وإنما إلى تنظيمها ومنعها من التحول إلى اعتداء على حقوق الآخرين. ومن هنا تتلازم الحرية مع المسؤولية؛ إذ لا تكتمل حرية الإنسان إلا حين يدرك أن لكل اختيار أثرًا، وأن ممارسة الحق لا تبرر إلحاق الضرر بالغير.

 

غير أن القيود تصبح مذمومة حين تتجاوز غايتها المشروعة، فتتحول إلى وسيلة لقمع الفكر، أو مصادرة الرأي، أو إقصاء المختلف. فالإنسان لا يستطيع أن ينمو فكريًا في بيئة تحاصر السؤال، ولا يستطيع المجتمع أن يتقدم إذا جعل من الاختلاف تهمة ومن الحوار تهديدًا. ولذلك فإن احترام حرية التفكير والتعبير، في إطار المسؤولية واحترام الآخرين، يعدّ من أهم مقومات المجتمع المتوازن.

 

والأشد خطورة أن يعتاد الإنسان القيود حتى تصبح جزءًا من وعيه، فيمارس الرقابة على نفسه قبل أن يفرضها عليه الآخرون. عندها لا يعود القيد مجرد حاجز خارجي، بل يتحول إلى حاجز داخلي يمنعه من اكتشاف قدراته ومواجهة مخاوفه. وقد يكون التحرر من هذا النوع من القيود أصعب من التحرر من القيود المادية؛ لأنه يتطلب شجاعة ووعيًا وثقة بالنفس.

 

إن الحرية الحقيقية لا تعني غياب كل القيود، كما أن القيود العادلة لا تعني إلغاء الحرية. وإنما تكمن الحكمة في إقامة توازن يحفظ للإنسان حقه في الاختيار والتعبير، ويحفظ للمجتمع حقه في الأمن والاستقرار، ويصون للآخرين حقوقهم وكرامتهم. فحين تنفصل الحرية عن المسؤولية قد تتحول إلى فوضى، وحين ينفصل القانون عن العدالة قد يتحول إلى قيد جائر.

 

ومن ثمّ، فإن قضية حرية الإنسان ليست صراعًا بين الحرية والقيد بقدر ما هي بحث دائم عن الحد الفاصل بين حق الفرد وحق الجماعة. فالإنسان الحر ليس من يعيش بلا قيود، وإنما من يدرك معنى الحرية، ويعرف حدودها، ويمارسها بوعي ومسؤولية. وبقدر ما يكون القيد عادلًا وضروريًا، تكون الحرية أقدر على أن تزدهر في ظله؛ وبقدر ما يكون القيد تعسفيًا، يصبح التحرر منه مطلبًا من مطالب الكرامة الإنسانية.