
الشَّجَرَةُ الْمُثْمِرَةُ.. لَا تَخْشَى الْحِجَارَةَ
.الشَّجَرَةُ الْمُثْمِرَةُ.. لَا تَخْشَى الْحِجَارَةَ
بقلم: عبدالله العجمي
كاتب عُماني
النجاح ليس طريقًا مفروشًا بالورود، ولا محطة يصل إليها الإنسان بمجرد أن يتمنى الوصول إليها، بل هو مسيرة طويلة من التعب والاجتهاد والصبر والمثابرة، يخوضها الإنسان خطوةً بعد أخرى، ويتحمل في سبيلها الكثير من العثرات والتحديات، حتى يصل إلى ما كان يحلم به ويسعى إليه.
وفي كل نجاح قصة كفاح، وفي كل إنجاز ساعات طويلة من العمل، وفي كل إنسان ناجح محطات ربما لم يرها الآخرون، من تعب وإصرار وتضحيات وتنازلات وصبر على ظروف كان يمكن أن تدفعه إلى التراجع، لكنه اختار أن يستمر.
غير أن هناك جانبًا آخر من النجاح قلّما نتحدث عنه، وهو أعداء النجاح.
وأعداء النجاح ليسوا بالضرورة أولئك الذين يقفون أمام الإنسان في طريقه بشكل مباشر، أو يعلنون عداوتهم له بصورة واضحة، بل إن بعضهم قد يكون قريبًا منه، يبتسم في وجهه، ويصفق له أمام الناس، ثم ما إن يغادر المجلس حتى يبدأ في التقليل من شأنه، والتشكيك في إنجازاته، والبحث عن ثغرات في تجربته، وكأن نجاح الآخرين يمثل تهديدًا مباشرًا لوجودهم.
ولعل أجمل مثال يمكن أن نضربه في ذلك هو الشجرة المثمرة.
فالشجرة التي لا تحمل ثمرًا لا تستفز أحدًا، ولا تثير اهتمامًا كبيرًا، أما حين تكبر وتشتد أغصانها وتبدأ ثمارها بالظهور، فإن الأنظار تتجه إليها. يأتي الناس ليستظلوا بظلها، ويستفيدوا من ثمارها، ويشيدوا بجمالها وعطائها.
لكن هناك من لا يستطيع الوصول إلى ثمرها، ولا يملك القدرة على زراعتها أو رعايتها، فيتحول اهتمامه من محاولة الوصول إلى الثمرة إلى محاولة إسقاط الشجرة نفسها.
فيبدأ بقطع أغصانها، أو تشويه صورتها، أو نشر الكلام عنها، أو إقناع الآخرين بأنها ليست بتلك الجودة التي يرونها، وربما يحاول إخفاء ثمارها حتى لا يراها أحد.
وهكذا هو بعض البشر مع الناجحين.
فبدلًا من أن يسأل نفسه: كيف نجح هذا الإنسان؟ وما الذي يمكنني أن أتعلمه من تجربته؟ يبدأ بالسؤال: كيف أقلل من نجاحه؟ وكيف أجعل الآخرين لا يرونه ناجحًا؟
وهنا تكمن المشكلة.
فبعض النفوس لا تتألم لأنها فشلت، وإنما تتألم لأنها رأت غيرها ينجح.
وهناك فرق كبير بين الإنسان الذي يحزن لأنه لم يصل بعد، والإنسان الذي يحزن لأن غيره وصل.
الأول يمكن أن يصبح ناجحًا يومًا ما، لأنه ينظر إلى نجاح الآخرين باعتباره حافزًا ودافعًا، أما الثاني فقد يتحول نجاح الآخرين بالنسبة إليه إلى عقدة، فيبدأ بمحاربتهم بدلًا من تطوير نفسه.
عدو النجاح الحقيقي لا يريد أن يصبح ناجحًا بقدر ما يريد ألا يرى غيره ناجحًا.
وقد يكون هذا الشخص قريبًا، أو زميلًا، أو شريكًا في العمل، أو شخصًا عرفته لسنوات، ولذلك تكون مواجهته أصعب، لأنك لا تتوقع أن يأتيك الأذى من المكان الذي ظننته يومًا مصدرًا للدعم.
ومن أخطر صور أعداء النجاح ذلك الشخص الذي يمارس التقليل المستمر من إنجازات الآخرين.
إذا حقق شخص إنجازًا قال: «الأمر بسيط».
وإذا حصل على تكريم قال: «التكريم لا يعني شيئًا».
وإذا نجح في مشروع قال: «الظروف ساعدته».
وإذا أثنى الناس عليه قال: «الناس يبالغون».
وإذا حقق حضورًا اجتماعيًا قال: «هو يبحث عن الشهرة».
وكأن المطلوب من الناجح أن يحقق الإنجاز ثم يعتذر عنه!
وهذه الفئة لا تستطيع أن ترى النجاح مجرد نجاح، بل تحاول دائمًا البحث عن سبب يقلل من قيمته، لأنها لا تريد الاعتراف بأن شخصًا آخر استطاع أن يحقق ما لم تستطع هي تحقيقه.
ومن أعداء النجاح أيضًا الحاسد الصامت؛ ذلك الذي لا يواجهك، ولا يقول لك إنه غير راضٍ عن نجاحك، لكنه يتمنى في داخله أن تتعثر.
قد يفرح عندما يسمع أنك أخفقت، وقد يشعر بالارتياح عندما يتراجع حضورك، وقد يبحث عن أخبار تعثرك أكثر مما يبحث عن أخبار نجاحك.
وهذا النوع قد يكون أكثر خطورة من العدو الواضح، لأن العدو الواضح تعرف موقفه، أما من يخفي مشاعره خلف الابتسامات والمجاملات، فقد لا تكتشف حقيقته إلا بعد أن تتراكم المواقف.
ومن أعداء النجاح كذلك مُحطِّم الطموح، وهو الشخص الذي كلما تحدثت أمامه عن فكرة جديدة، سارع إلى إخبارك بأنها لن تنجح.
تقول له: أريد أن أبدأ مشروعًا، فيقول لك: السوق مليء بالمشاريع.
تقول له: أريد أن أتعلم مهارة جديدة، فيقول لك: لن تستفيد منها.
تقول له: أريد أن أكتب، فيقول لك: الكتابة لا تصنع نجاحًا.
تقول له: أريد أن أشارك في فعالية، فيقول لك: ماذا ستستفيد؟
وهكذا يحاول أن يضع أمامك جدارًا من الإحباط قبل أن تبدأ.
والحقيقة أن الإنسان الناجح لا يحتاج دائمًا إلى من يصفق له، لكنه يحتاج إلى من يقول له الحقيقة بطريقة تدفعه إلى الأمام، لا بطريقة تقتله من الداخل.
فالنصيحة شيء، وتحطيم الطموح شيء آخر. والنقد شيء، والتقليل من الإنسان شيء آخر. والاختلاف شيء، ومحاربة النجاح شيء آخر.
ومن أعداء النجاح أيضًا من لا يستطيع رؤية الآخرين إلا من خلال نفسه. فإذا تقدم شخص خطوة، شعر أنه تأخر خطوة. وإذا كُرّم شخص، شعر أنه حُرم التكريم. وإذا أصبح لشخص حضور، شعر بأن حضوره قد اختفى.
وهذا فهم خاطئ للحياة. فنجاح إنسان لا يعني فشل إنسان آخر. وتكريم شخص لا يعني إهانة الآخرين. وإبداع شخص لا يعني أن الآخرين لا يملكون الإبداع.
والدنيا ليست كعكة صغيرة إذا أخذ منها شخص قطعة لم يبقَ للآخرين شيء. هناك متسع للجميع. هناك أكثر من طريق للنجاح، وأكثر من مجال للتألق، وأكثر من فرصة لصناعة الأثر.
لكن المشكلة تبدأ عندما يتحول التنافس الشريف إلى رغبة في إسقاط الآخرين. والأشد غرابة أن بعض أعداء النجاح لا يكتفون بالتقليل من الناجح، بل يحاولون إعادة كتابة قصته.
ينسون سنوات تعبه، ويتحدثون عن لحظة نجاحه فقط. لا يرون السهر، ولا يرون المحاولات، ولا يرون الفشل الذي سبقه، ولا يرون الأبواب التي أُغلقت في وجهه، وإنما يرون النتيجة النهائية ثم يقولون: «لقد حالفه الحظ».
والحظ قد يفتح بابًا، لكنه لا يستطيع أن يبني إنجازًا كاملًا. النجاح الحقيقي يحتاج إلى إنسان يعمل، ويتعلم، ويصبر، ويخطئ، ويصحح، ويواصل الطريق. ولذلك فإن من أسهل الأشياء أن تحكم على نجاح شخص وأنت لا تعرف شيئًا عن الرحلة التي قطعها.
قد ترى الثمرة، لكنك لم ترَ الجذور. وقد ترى الصورة الجميلة، لكنك لم ترَ التعب الذي سبق التقاطها. وقد ترى لحظة التصفيق، لكنك لم ترَ السنوات التي عاشها صاحب الإنجاز دون تصفيق. وهنا يجب على الناجح أن يفهم حقيقة مهمة:
ليس مطلوبًا منك أن تقنع الجميع بنجاحك. فالذين يحبون التقليل منك لن تقنعهم ولو قدمت لهم ألف دليل؛ لأن المشكلة ليست في الأدلة، وإنما في نظرتهم إليك.
ولهذا لا تجعل معركتك مع أعداء النجاح تستنزفك. لا تنشغل بكل كلمة تقال عنك. لا ترد على كل إشاعة. لا تدخل في كل نقاش. ولا تجعل من يراقب خطواتك سببًا في توقفك عن السير.
فالشجرة المثمرة لا تتوقف عن الإثمار لأن بعض الناس يرمونها بالحجارة. بل تستمر في العطاء. والإنسان الناجح كذلك. كلما زاد نجاحه، زادت مسؤوليته في أن يكون أكثر تواضعًا، وأكثر هدوءًا، وأكثر تركيزًا على عمله.
فأفضل رد على من يقلل منك ليس الصراخ، ولا الدخول في الخصومات، ولا محاولة الانتقام. أفضل رد هو المزيد من العمل. دع إنجازك يتحدث. دع نتائجك تجيب. دع الزمن يكشف الحقيقة. فالضجيج ينتهي، والكلام ينساه الناس، لكن الإنجاز الحقيقي يبقى. ومع ذلك، علينا ألا نضع كل نقد في خانة الحسد والعداء.
فالنجاح الحقيقي ليس أن تصل وحدك، وإنما أن تترك أثرًا جميلًا خلفك. وفي النهاية، سيظل النجاح امتحانًا كما أن الفشل امتحان.
الفشل يسأل الإنسان: هل ستستسلم؟
والنجاح يسأله: ماذا ستفعل بعدما وصلت؟
لكن الناجح الحقيقي لا يجعل وجودهم سببًا في التراجع، بل يمضي، ويتعلم، ويطور نفسه، ويترك خلفه كل من حاول أن يوقفه.
ازرع، واجتهد، وأثمر، واترك للآخرين ما يقولون، ففي نهاية الطريق، لا يبقى من كل ذلك الضجيج إلا ما صنعته يداك، وما تركته في حياة الناس من أثر.
ختامًا ..
النجاح الذي يُبنى بالعمل والصبر والأخلاق أقوى بكثير من كل محاولات التشويه. لأن الشجرة المثمرة قد تُرمى بالحجارة… لكنها تظل شجرةً مثمرة.







