إليسا والكوفية الفلسطينية حين يصبح رمي الرمز امتحانا للموقف|محمد المحسن

كاتب وناقد/تونسي

حين يعلو صوت الفن فوق خشبة المسرح،لا يعود الفنان مجرد صوت جميل يؤدي أغنية وينصرف، بل يصبح،شاء أم أبى،جزءا من المشهد العام،ومن الذاكرة التي يصنعها حضوره،ومن الأسئلة التي يطرحها الجمهور على كل من يقف أمامه تحت الأضواء.
ولذلك لم يكن ما حدث خلال حفل الفنانة اللبنانية إليسا على مسرح مهرجان قرطاج مجرد تفصيل عابر يمكن أن تبتلعه أجواء السهرة وتنهيه التصفيقات.فقد تلقت إليسا الكوفية الفلسطينية من أحد الحضور،قبل أن ترميها له،في مشهد أثار انتقادات واسعة من سياسيين ونشطاء تونسيين، وأعاد إلى الواجهة سؤالا أكبر من الحفل نفسه: أين يقف الفنان العربي حين تكون فلسطين حاضرة ؟!
قد يقول قائل إن للفنان الحق في أن يختار مواقفه،وإنه ليس مطالبا بأن يتحول إلى سياسي أو ناشط،وهذا صحيح من حيث المبدأ.لكن حق الفنان في اختياراته لا يلغي حق الجمهور في قراءة تلك الاختيارات ومساءلتها ونقدها.فالحرية التي تمنح الفنان حق التعبير تمنح المتلقي أيضا حق الاعتراض،ولا ينبغي للشهرة أن تتحول إلى حصانة أخلاقية ضد النقد.
والكوفية الفلسطينية ليست قطعة قماش عادية.
إنها رمز ارتبط في الوعي العربي والفلسطيني بالأرض،والمقاومة،والصمود،والتمسك بالهوية، ورفض الاقتلاع.وحين تظهر على خشبة عربية، فإنها لا تصل وحدها،بل تحمل معها ذاكرة شعب يواجه الاحتلال،ووجع أمهات ثكلى،ودماء شهداء، وأطفالا يكبرون وسط الركام،وأجيالا لم تتخل عن حقها في الحرية والكرامة.
من هنا،فإن الاعتراض على رميها لا يتعلق بإجبار فنانة على موقف سياسي بعينه،بقدر ما يتعلق بدلالة الرمز في وجدان جمهور عربي يرى في فلسطين قضية عدالة وحرية وكرامة إنسانية.
لقد كانت فلسطين،منذ عقود،واحدة من أكثر القضايا حضورًا في الفن العربي.حملها الشعراء في قصائدهم،وغناها الفنانون،ورسمها التشكيليون، وجعلها المسرحيون سؤالا دائما عن الظلم والاحتلال والحرية.وكان الفن،في لحظاته النبيلة، صوتا لمن لا صوت لهم،وذاكرة لمن أراد العالم أن ينساهم.
ومن هنا أيضا تأتي الإشادة بالمقاومة الفلسطينية باعتبارها،في الوعي العربي،تعبيرا عن رفض الاحتلال والدفاع عن الحق في الحرية وتقرير المصير.
قد تختلف القراءات السياسية،وقد تتعدد المواقف من الوسائل والتفاصيل،لكن ذلك لا ينبغي أن يحجب حقيقة أن فلسطين ما تزال جرحا مفتوحا في الضمير العربي،وأن مقاومة الاحتلال بالنسبة إلى قطاعات واسعة من الشعوب العربية ليست مجرد عنوان سياسي،بل امتداد لذاكرة طويلة من النضال والتشبث بالأرض.
ولا يمكن أن نطلب من الجمهور أن يفصل مشاعره عن رموز يرى فيها تاريخا من التضحيات،ثم نطالبه في الوقت نفسه بأن يصفق بلا سؤال لمجرد أن من يقف على المسرح فنان مشهور.
نحن نحب الفن،نعم.
نصفق للصوت الجميل،ونحفظ الأغنيات،وننتظر الحفلات،ونمنح الفنانين مساحة كبيرة في قلوبنا. لكن الإعجاب لا يعني منح شيك على بياض، والشهرة لا تعني إسقاط حق الجمهور في النقد.
قد نختلف مع الفنان ولا نختلف مع فنه،وقد نحب أغنية ونرفض موقفا،وقد نرى في صوت الفنان جمالا لا نراه في خياراته العامة.وهذه هي طبيعة العلاقة الصحية بين الفنان والجمهور: محبة لا تلغي العقل،وتصفيق لا يلغي السؤال.
أما فلسطين،فهي أكبر من أن تكون زينة موسمية على المسرح،وأعمق من أن تكون لحظة عاطفية عابرة.
إنها قضية شعب يريد أن يعيش حرا على أرضه، وذاكرة لا تستطيع الحروب ولا الدعاية ولا تبدل المصالح أن تمحوها.
ولذلك،فإن موقف الفنان من فلسطين سيظل محل مساءلة،ليس لأن الفنان مطالب بأن يكون سياسيا، وإنما لأن الفن نفسه،حين يدخل قلوب الملايين، يصبح جزءا من الوجدان العام.
قد تنتهي حفلة قرطاج،وتغادر الجماهير مدرجاتها، وتنطفئ الأضواء،وتعود الموسيقى إلى تسجيلاتها، لكن بعض المشاهد لا تنتهي بانتهاء السهرة.
هناك صور تبقى لأنها حملت أكثر مما تحتمل لحظة عابرة.
ومن حق جمهور قرطاج،ومن حق كل عربي يؤمن بعدالة القضية الفلسطينية،أن يسأل: ماذا يعني أن تصل الكوفية الفلسطينية إلى خشبة قرطاج ثم تُرمى بعيدا ؟!
إنه سؤال لا يحتاج إلى خصومة شخصية،ولا إلى تجريح،ولا إلى كراهية.إنه سؤال الموقف،وسؤال الرمز،وسؤال الذاكرة.
وفي النهاية،قد تنتهي أغنية إليسا ويهدأ التصفيق، لكن فلسطين لا ينتهي صوتها بانتهاء حفلة،ولا تسقط قضيتها بسقوط كوفية من يد فنان. فالكوفية التي رُميت على خشبة قرطاج يمكن أن تُلتقط من جديد،أما فلسطين التي تحملها فلا يستطيع أحد أن يرميها خارج الذاكرة والضمير. وسيظل الفنان،مهما علا صوته،مطالبا بأن يجيب بعد انطفاء الأضواء: ماذا تركتَ في قلوب الناس.. صوتا جميلا فقط،أم موقفا يليق بوجع شعب يقاوم من أجل حريته..؟!
وفي النهاية،قد تُرمى الكوفية،وقد تنطفئ أضواء المسارح،لكن فلسطين لا تُرمى ولا تنطفئ،ستظل حيّة في الوجدان العربي،نابضة في الذاكرة، ومضيئة في ضمير الأحرار،ولو كره الكارهون.فما يُلقى على الأرض يمكن التقاطه،أما قضية تسكن القلوب فلا تستطيع يد أن تنتزعها منها..

متابعة محمد المحسن

-هاجم سياسيون ونشطاء تونسيون الفنانة اللبنانية إليسا بعد رميها الكوفية الفلسطينية خلال حفل فني في مهرجان قرطاج.
وكانت إليسا أحيت حفلا فنيا على مسرح قرطاج، السبت،لأول مرة منذ 17 عاما،وخلال الحفل تلقت الفنانة اللبنانية الكوفية الفلسطينية من أحد الحضور قبل أن ترميها له.