شاعر يبحث عن لغة ضائعة

تقديم لديوان منصف الوهايبي، ديوان الوهايبي، دار محمد علي الحامّي، تونس، 2010.

شاعر يبحث عن لغة ضائعة

لم ينخرط الشعر التونسي خلال العقدين السابع والثامن من القرن العشرين في التحوّلات التي طرأت على الشعريّّة العربيّة إلاّ بقدر يسير لم يتعدّ في معظم الحالات التحوّل الشكلي العروضي إلى استيعاب الرؤى الفنّيّة الجديدة. وذلك أنّ هذا الشعرظلّ يراوح بين ألوان من الغنائيّة التي راجت في النصف الأوّل من القرن المنصرم (نورالدين صمّود، جعفر ماجد، زبيدة بشير..) ونماذج من الواقعيّة الاجتماعيّة (منوّر صمادح، الميداني بن صالح..). وحين انبثقت حركة “الطليعة الأدبيّة” في أواخر الستّينيّات عزّزت الاتجاه الواقعيّ بنزوع إلى التنثير شمل لغة الشعر وإيقاعه. فقد تمرّد شعراء “في غير العمودي والحرّ” على الأوزان الخليليّة وكتبوا شعرا مُوَقّعا يستلهم لغة الحياة اليوميّة ووقائع العصر.
ونظنّ أنّنا لا نجانب الصواب إذا اعتبرنا أنّ مجموعة منصف الوهايبي الشعريّة الأولى “ألواح” (1982) تمثّل، في جوانبها التي تظهر جدّتها وتُجلي اختلافها عن المنجز الشعري التونسي، ردّ فعل على هذا النزوع الواقعيّ، وإن لم تخلص من رواسبه التي ظلّت ماثلة في قصائد مثل “يوميّات بورجوازي صغير” و”فناء” و”ماسح الأحذية”. ولكنّها “قصائد أولى” لم يثبتها الشاعر بهذا الوسم إلاّ ليبرز الأشواط التي قطعها في اتّجاه شعريّة مغايرة تستبدل واقع اللغة بسلطة الواقع. فلا غرو أن تكون فاتحة الديوان أبياتا تمجّد الشاعر المؤيَّد بسلطان اللسان:
ملكٌ هذا الذي يفجؤكم
برياح اللغة المغتلمهْ
باسمه يفتتح الموتى طقوس النار والعشب
وليل الأكَمَهْ
وليس هذا المنحى الفنّي بمعزل عمّا طرأ على الشعريّة العربيّة من تحوّلات في المرحلة التي تلت طور الريادة في الشعر الحرّ، وهي المرحلة التي يعدّها بعض النقّاد حداثة ثانية. فبتأثير من جماعة مجلّة “شعر” اللبنانيّة ومن أدونيس على وجه الخصوص ، وقد أنجز الوهايبي رسالة جامعيّة عن شعره،*أخذ الموقف الفنّي الذي ينأى بالشعر عن استعادة “الواقع” ومحاكاته ويعدل بلغته عن البساطة والوضوح إلى التأنّق والغموض، يبسط نفوذه على الممارسة الإبداعيّة والنظريّة الشعريّة على حدّ سواء. بهذا يكون الوهايبي قد اظطلع، من موقعه، وبطريقته الخاصة،بدور فعّال في تعديل ساعة الشعر التونسي وإدراجه في حركيّة هذه “الثورة اللغويّة” التي غزت المشهد الشعري العربي ابتداء من العقد السابع من القرن الماضي.
ولو سلّمنا للقائلين بالتنافر بين الشعر و”الواقع” وأقررنا بأنّ الشعر في معناه الحديث “لا يحاكي” و”لا يصوّر” و”لا يعبّر” وانّ لغته لغة لازمة لا تحيل على شيء خارجها، لوجدنا في منجز الوهايبي الشعري ما يغرينا بإدراجه ضمن أدنى نماذج الشعر العربي المعاصر إلى تحقيق هذا المفهوم. ولكنّنا ندرك كلّ الإدراك أنّ هذا المفهوم لا يوافق أمرا واقعا وإنّما هو تصوّر نظريّ معياريّ وموقف جماليّ يرمي إلى تخليص الشعر من شوائب “الواقع” و”الإيديولوجيا” ويتطلّع إلى توجيه العمليّة الإبداعيّة إلى إيلاء الأهمّيّة كلّها للدالّ أي لطريقة القول بغضّ النظر عن موضوعه.
والحقّ أنّ الوهايبي على خلاف الجيل الذي راد الشعر الحرّ والعديد ممّن تلاه من الشعراء لا يسفر شعره عن هواجس إيديولوجيّة أو تاريخيّة أوحضاريّة إلاّ ما قد يستخلص من افتتانه باللغة العربيّة وتراثها الأدبيّ. وحتّى التصوّف الذي كثيرا ما بولغ في تقدير أثره في شعره لاينمّ على تجربة روحيّة أو توجّه فلسفيّ بقدر ما نرى فيه مادّة اقتضتها حاجة الشاعر إلى اجتراح لغة جديدة.
وقد تنطبق هذه الملاحظة على سائر موادّ شعره. فحرص الوهايبي على تنويع مدارات القول الشعري وتغيير النزعة المهيمنة من مجموعة شعريّة إلى أخرى يمتّ بصلة وثيقة إلى حرصه على تجديد معجمه .وهو ما أضفى على كلّ عمل من أعماله من الخصوصيّة ما يتميّز به من غيره.فإذا وسم استلهام التراث الصوفيّ مجموعتيه “ألواح” و” من البحر تأتي الجبال” (1991)، فإنّ الخصيصة المهيمنة في “مخطوط تمبكتو” (1998) اتّخاذ المدن مدارا للقول الشعري واستنطاق الأمكنة بأبعادها الجغرافيّة والمعماريّة وخصائصها الثقافيّة والتاريخيّة. وأمّا في “فهرست الحيوان” (2007) فيصغي الشاعر إلى هذه الكائنات البكماء ويتقرّى حكاياتها في مراياه.وهي نزعة لها أصول في أعماله السابقة ولاسيّما في مجموعتيه “من البحر تأتي الجبال” و” ميتافيزيقا وردة الرمل”(2000).
وقد يوحي هذا التنضيد بأنّ الوهايبي يتوخّى في كتابته الشعريّة خطّة هي أقرب إلى منطق الوضع والتأليف. وإذا كان لهذا الانطباع أن يثبت أمرا فهو أنّ الشعرعنده وليد الرويّة والمعرفة بقدر ما هو وليد البديهة والموهبة. ولذا يحبّذ الوهايبي أن يكون الشاعر “عالما باللغة متظلّعا فيها، وأن يكون له من الفطنة ما يجعله ينفذ على لطائفها”.ولذا أيضا كان انتقال الممارسة الشعريّة عنده من مدار إلى آخر حفرا في معجم مغاير وسبرا لأغوار اللغة واختبارا لقدرتها على تسمية الأشياء.والتسمية معضلة لم تزل تؤرّق الشاعر الباحث عن “لغته الضائعة”. ولعلّها لغة من زمن قديم حيث كان كلّ شيء ينطق ويتسمّى، لغة تزول فيها المسافة بين الاسم والمسمّى حتّى كأنّه يحاكيه،أو هي تنبع من الأشياء وترتدّ إليها . أليست لغة الشعر نقضا لاعتباطيّة اللغة:
بأيّ اسم كان علينا أن نناديك
أيّها البرتقالي
لولا شجرة البرتقال
أيّها البنفسجي
لولا زهرة البنفسج (منازل سان جرمان، مخطوط تمبكتو)
إنّ اللغة في شعر الوهايبي ليست زخرفا أو حذلقة وإن كان لا يألوها تجويدا ، وإنّما هي مسألة تتنزّل في صلب علاقة الشاعر بالكون. فاجتراح لغة له يضاهي امتلاكه، وقد يقضّل الوهايبي أن نقول: يضاهي أن تكون فيه مثل الماء في الماء.والحقّ أنّ شعره ليس منقطعا عن العالم وهو “المأخوذ بالأشياء، بألوانها وظلالها وأضوائها”، ولا هو منقطع عن التجربة الشخصيّة وهو الذي لم يزل ينهل من ذاكرة لا تني تلحّ عليه: رحلة “البدويّ الصغير” إلى القيروان أو تمبكتو كما يحبّ أن يسمّيها، أوّل عهده بالجسد، صديقه “الأخيل” ومجالس الإنشاد الصوفيّ،الأخت التي ماتت صغيرة، بستان الأب في مسكلياني، حيوانه…وغير ذلك من أشتات رسبت في الذاكرة يستدعيها “البدويّ الكهل” في ما يكتب وقد التبست عليه الوقائع بالأحلام واليقين بالخيال. أليس هو القائل: “لعلّ الذاكرة ليست إلاّ المخيّلة ذاتها” و”الأحلام كالحقائق”، والقائل:
ولكنّني كنت نسّاجَ وهم
وينتسج الوهم لي (في منزل الشابي، من البحر تأتي الجبال)
وممّا يضفي مزيدا من الغموض على نصّ الوهايبي أنّ كِسَر ذاكرته الفرديّة ترد ملتبسة بذاكرته الثقافيّة. فهو شاعر تطريس يعي جيّدا أنّه “يكتب على ورق فيه أثر كتابة أخرى”، وهي كتابة تراوح بين النصّ القرآني والخطاب الصوفي والموروث الأدبي نثره وشعره دون أن نذهل عن محاورته الموصولة لمعاصريه من الكتّاب والشعراء.
عند هذا الحدّ يجدر بنا أن نشير إلى أنّه حين باشر الوهايبي نشر أشعاره كان قد مضى عقدان من الزمن على انبثاق الموقف الجمالي الذي ينتصرللاشتغال بالدوالّ ويتبنّى مفهوم اللغة اللازمة.وخلال هذين العقدين أفرزت الشعريّة العربيّة اتّجاها جماليّا آخر يراهن على الخيال ويستثمر التخييل السرديّ.ونتبيّن أثر هذا الاتّجاه في شعر الوهايبي ابتداء من مجموعته الثانية “من البحر تأتي الجبال” ولاسيّما في القسم الموسوم ب”حديث الحيوان”. وقد استمرّ تأثيره في أعماله التالية بل ربا في الطور الراهن من ممارسته الشعريّة. وبالإمكان القول إنّ الوهايبي يأخذ بطرف من الشعريّتين: شعريّة اللغة وشعريّة التخييل، ويؤلّف بينهما على تباينهما، إذ تنزع الأولى إلى إقصاء المعنى في حين لا يسع الأخرى أن تتجرّد من الجوهر الدلاليّ الملازم لكلّ حكاية. وبغضّ النظر عن دلالة هذه الظاهرة الجديرة بالتأمّل، فإنّ لهذا التشابك بين النزعتين مردوده الإيجابي على شعر الوهايبي، فحتّى عندما يبنيه على السرد تحتفظ لغته برونقها وبنسبة من كثافتها، وهو ما جنّبه مزالق قد يؤدّي إليها تسريد الشعر.
وإذا استطاع الوهايبي أن يلقّح شعره باستمرار وأن يبقي جذوته متألّقة على مرّ السنين في زمن ضلّ فيه كثيرون طريقهم إلى الشعر وراجت فيه كتابة استهلاكيّة تميل إلى السهولة وتركن إلى كلّ مكرور معاد وتتملّق المتلقّي وتستفزّ عواطفه، فلأنّه أخذ نفسه بالإخلاص للشعر وألزمها الإمساك بجوهره دون ادّعاء أو ضوضاء.
فتحي النصري