
تاريخ الفكر الوجودي |الدكتور علي أحمد جديد
كاتب وباحث ومحامي وأكاديمي|00 سوري
بدأت ملامح “الحركة الوجودية” تظهر علىٰ طاولات الحوار في مقاهي شارع “ليفت بانك” الباريسية من خلال عائلة الثنائي الفلسفي الشهير (جان بول سارتر و سيمون دي بوفوار) اللذين اجتمعا عقب تحرير باريس من الاحتلال النازي أيام الحرب العالمية الثانية . ويمكن تَصوُّر مُفَكِرَيْن غيرِ تقليديين وطليعيين ، وهما يناقشان تَبِعات الحريات السياسية والفنية المكتسبة حديثاً في ظل مزاجٍ سائد من الحماسة والإبداع وتحليل الذات القَلِق بشيءٍ من الحرية ، ودائماً كانت الحرية .
وعلىٰ الرغم من أن هذا قد يعكس الصورة التي تُروِّج لها وسائل الإعلام اليوم في تجسيد روح العصر ، إلا أنها تُخفي الدِلالةَ الفلسفية للفكر الوجودي حين تُصَوِّرُه كظاهرةٍ ثقافية مرتبطة بفترةٍ تاريخية معيَّنة ، ليس هذا وحسب ، بل ربما يكون في ذلك الثمن الذي قد يدفعه أيُّ أسلوب فكري يميل للنظر في الفلسفة نظرة مادية بدلاً من نظرةٍ مُجرَّدةٍ وعقلانية . ففي البدء كانت رغبة الوجوديين الارتباط بالعصر كسببٍ رئيسي في التزامهم الاجتماعي والسياسي ، لكنها ربطتهم أيضاً بمشاكل مرحلتهم الزمنية دَعت الأجيالَ اللاحقة للنظر إليهم كظاهرةٍ عَفّىٰ عليها الزمن . لأنه لو كانت “الوجودية” تحمل آثار ظهورها بعد الحرب ، فإنها علىٰ الأقل ستكون منهجاً فلسفياً في التعامل مع الموضوعات المهمة لحياة الناس القديمة قِدَم الفلسفة نفسها ، تفسِّر حياةً معاصرة ، شأن الحالة الإنسانية التي تعكف علىٰ فلسفتها . إلا أن مناقشة عِلم الفلسفة بعيداً عن اعتباره مذهباً أو نظاماً فكرياً وإنما كأسلوب حياة ، كما تناوله الباحث الكلاسيكي الفرنسي والفيلسوف المؤرخ في “الفلسفة الأبيقورية والرواقية” القديمة
(بيير هادوت) الذي أوضح قدرة الفلسفة “القديمة” علىٰ أن تجعل لحياة الناس معنىً حتىٰ في العصر الحالي ، ومع أن (هادوت) كان يفضّل فلسفة الإغريق والرومان ، إلا أنه حاول أن يجد اهتماماً مشابهاً في كتابات (سورين كيرك غارد وفريدريك نيتشه) المعروفَين ﺑـ”رائدي” الحركة الوجودية في القرن التاسع عشر ، ولدىٰ كلٍّ مَن تبعهما في القرن العشرين المنصرم .
والمعروف عموماً أن “الوجودية” فلسفةٌ تدور حول الفرد بكيانه المادي الملموس ، إلا أن عصر وسائل الإعلام الجماهيرية والدمار الشامل نتيجة الحرب العالمية الثانية أبرز للوجودية دفاعها عن القِيَم الأصيلة لِما يسميه مناصرها الرئيس (جان بول سارتر) بـ “الفرد الطبيعي الحر” ، أي الفرد الفاعل المُكوَّن من لحم ودم . ومن المعروف أن في الفلسفة الاحتكام العميق للعقل ، والإيمان بحرية التعبير ونبذ العنف بكل أشكاله المادية والرمزية ، إلا أن بعض أعلام الفلاسفة الغربيين رأوا أن يختاروا التغاضي عن الظلم ، وعن تعمّد ارتكاب الأخطاء والشرور ، بل والحرص علىٰ شَرْعَنَتِها .. وحتىٰ تبريرها ، ولم يتمكنوا من التخلّص من شعورهم الفِطري بالعنصرية الاستعمارية !!.
ففي العام 1940 كان الفيلسوف والكاتب الفرنسي (جان بول سارتر) قد انضم إلىٰ الجيش الفرنسي ، وتمَّ احتجازه لفترةٍ في معسكرات أسرىٰ الحرب النازية علىٰ أوروبا التي بقي فيها حتىٰ هروبه منها .
وقد شكل تحرير باريس عام 1944 من النازيين والهزيمة اللاحقة بالجيوش الألمانية في أوروبا ، أرضيةً لظهور ما أطلقوا عليه “الفلسفة الوجودية” علىٰ اعتبار أنها “فلسفة حرية” بامتياز ، وذلك انطلاقاً من (جان بول سارتر وسيمون دي بوفوار) وكانت مقالات (سارتر) بعد الحرب ، تحثّ المثقفين علىٰ الالتزام والعمل لبناء صَرحٍ “أدبيّ” ملتزم سياسياً . وانبهر المثقفون العرب بمواقفه في مناهضة الاستعمار الفرنسي للجزائر ، ومهاجمته التصرفات الإمبريالية في كلٍّ من كوبا وأمريكا اللاتينية وفيتنام ، علاوة علىٰ رفضه غير المسبوق لجائزة نوبل للآداب في عام 1964. ولكن قبل شهر من النكسة العربية في حرب حزيران/يونيو 1967 وقّع (جان بول سارتر و سيمون دو بوفوار) إلىٰ جانب العديد من المثقفين الفرنسيين بياناً يدعون فيه الشعب الفرنسي إلىٰ دعم “إسـ.رائـ.يل” تحت ذريعة أنها الدولة الوحيدة التي يتمّ التشكيك بحقّها الإنساني في الوجود ، والمهدَّدَة من محيطها العربي المتخلّف ، لأنه في أواخر الأربعينيات من القرن الماضي كان دعم (سارتر و دي بوفوار) صريحاً لإقامة دولة يـ.ـهو.دية ، ذلك لأن اليسار الفرنسي عموماً كان متعاطفاً مع “الاتحاد السوفياتي” الذي كان بدوره الداعم الأول في مجلس الأمن الدولي من هيئة الأمم المتحدة لقيام الدولة اليـ.ـهو.دية “إسـ.را.ئيل” علىٰ الأراضي الفلسطينية واعترافه بها عملاً بفكرة المؤسس البلشفية (لينين) التي كتبها يقول :
“إننا وإن عادينا الأديان ، ونحن بلا شك أعداء الأديان ، فإننا لا نستطيع أن نعادي الدين اليهودي ، لأن الخرافات اليهودية وإن كانت لا تختلف كثيراً عن خرافات غيرها من الأديان ضروريةٌ لليهود البؤساء . والخرافات اليهودية أمر أساسي للشعب اليهودي كي يحافظ علىٰ يهوديته التي يناضل من خلالها للوصول إلىٰ حقوقه التاريخية والإنسانية . واليهود إذا مانبذوا ديانتهم فإنهم يُضَيِّعون قوميتهم الإسرائيلية بين القوميات الأخرىٰ التي تحيط بهم . وبمرور الوقت سيفقدون معنىٰ إسرائيليتهم وتَميّزهم . وللمحافظة علىٰ إسرائيليتهم التي تجمعهم كمجموعة كاملة متحدة ومتراصة فإن الديانة اليهودية ضروريةٌ لهم لأنها تجمع مكوّنات الإسرائيليين كمجتمع واحد لايمكن لغير الديانة اليهودية وأن تجمعهم . والديانة اليهودية هي الوحيدة التي يجب المحافظة عليها ورعايتها حتىٰ ينال الشعب اليهودي حقوقه من خلالها” .
وكان (سارتر) يجاهر بدعمه الصريح للصـ.هيـ.ونية إثر محاكمة تلميذه اليـ.ـهو.دي المتطرّف للصـ.ـهيو.نية العنصرية (روبرت مزراحي) بتهمة شراء أسلحة لصالح منظمة “شتيرن” الإرهابية الصـ.ـهيو.نية التي تقوم بأعمالها الإرهابية علىٰ أرض فلسطين للتخلّص من سكانها العرب . ويومها أصدر (سارتر) تصريحه الشهير :
“أعتبر أن واجب غير اليـ.ـهـ.ود هو مساعدة الـ.يهـ.ود في فلسطين” .
وبشكل صريح رفض اعتبار “إسرائيل” أمّة إمبريالية ، حيث تابع :
“أعتقد أنه من غير المفهوم تحديد هوية إسـ.رائـ.يل بكونها ضمن معسكر إمبريالي وعدواني” .
متجاهلاً أن سلوك الإبادة الصـ.هيـ.ونية للفلسطينيين كأساس لإقامة الدولة الـ.يهو.دية علىٰ أرض فلسطين في جنوب سورية الطبيعية هو نفس السلوك الامبريالي في إقامة كيان الولايات المتحدة الأمريكية بعد إبادة 112 مليوناً من الهنود الحمر السكان الأصليين في الشمال الأمريكي . وقد شكّل ذلك خيانةً كبرىٰ للقضية الفلسطينية ، حيث تمّ الطلاق بين (سارتر) وبين البعض القليل من المثقّفين العرب ، بسبب موقفه من “الصراع” العربي – الإسـ.رائـ.يلي في الفترة من 1967 إلىٰ 1980 مقارنةً بما كان عليه من قبل . وكردِّ فعل علىٰ دعم (سارتر) الصريح للكيان الصـ.ـهيو.ني ، ما كان من أرملة (فرانز فانون) المعروف بنضاله وبانتمائه الفكري والسياسي العميّق للثورة الجزائرية إلا أن طلبت من ناشري كتاب زوجها “المُعذّبون فِي الأرض”حذف مقدمة الكتاب التي كتبها (سارتر) من جميع الطبعات المقبلة للكتاب .
ونظراً إلىٰ الانجذاب الذي يكاد لايقاوَم في الانصياع لعادات المجتمعات الحديثة ، فإن ما يمكن تسميته “الفردية الوجودية” سيكون إنجازاً ، لأن البشر يولدون مخلوقات بيولوجية يتوجب عليهم أن يصبحوا أفراداً وجودية تتحمل مسؤولية أفعالها . وهذا تطبيق لقول (نيتشه) :
“تصرف علىٰ طبيعتك التي جُبِلْتَ عليها” .
ولا يعترف الكثيرون بهذه المسؤولية وإنما يتهرَّبون من فرديتهم الوجودية إلىٰ أمان الزحام المفتقِر للهوية ، وكان التحول إلىٰ الفردية في ما يسميه (كيرك غارد) بـ”دوائر” الوجود أو “خطوات علىٰ طريق الحياة” يطرح التساؤل حول كيفية نظر (فريدريك نيتشه) إلىٰ مشروع التحوّل لـ”الفردية الوجودية” .
بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية كان (سارتر) قد ألقىٰ محاضرة عامة يتساءل فيها :
“هل الوجودية فلسفة إنسانية؟” وهي المحاضرة التي هزَّت الحياة الثقافية في باريس لأنها كانت كبيانٍ رسمي بإطلاق “الحركة الوجودية” . ومنذ ذلك الحين ارتبطت “الوجودية” بالفلسفة الإنسانية التي تولي الإنسان والقيم الإنسانية مكانة مرموقة ، وارتبطت بانتقاد صور بديلة من الفلسفة الإنسانية المقبولة .
وقد ردَّ علىٰ هذه المحاضرة معاصره الفيلسوف الألماني (مارتن هايدغر) في مقالته الشهيرة “رسالة في النزعة الإنسانية” ، والتي كانت رداً علمياً علىٰ (جان بول سارتر) وفيها انتقد النزعة الإنسانية التقليدية والميتافيزيقيا الغربية ، وأعاد تعريف “الإنسان” لا كحيوانٍ عاقل فحسب ، بل بوصفه “راعي الوجود” وحارسه الأصيل الذي يتجلىٰ من خلاله معنىٰ الكينونة و الوجود متسائلاً :
“كيف نعطي معنىً لكلمة الإنسانية؟”
وكانت “رسالة في النزعة الإنسانية” تمثّل إعلاناً لانفصال (مارتن هايدغر) عن الوجودية الفرنسية وتحديداً عن طرح (جان بول سارتر) للأفكار وللموضوعات الأساسية في نقد الميتافيزيقيا التقليدية ، ورأىٰ (هايدغر) أن النزعة الإنسانية التاريخية في الفلسفة اليونانية القديمة “الإغريقية” وحتىٰ العصر الحديث قد وضعت الإنسان ضمن أُطُرٍ بيولوجية أو حيوانية عقلانية ضيّقة ، ولم تفكر في “الوجود” بشكل جذري وعميق . وقد رفض (هايدغر) المقولة الوجودية القائلة :
“إن الماهية تسبق الوجود” ..
أو العكس بالمعنىٰ الذي يقصده (سارتر) ، واعتبر أن الكائن البشري مميَّزٌ بنداء الوجود ، لأن الإنسان ليس “سيد الكون” وحسب بل هو “راعيه” وحارس حقيقته ، مستشهداً بقول الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام الذي يمثّل درَّة تاج الحكمة والفلسفة الإنسانية والروحية في
تَأمّل عظَمَة الإنسان لِذاته :
“دَواؤُكَ فيكَ وَمـا تُبـصِـرُ
وَدَاؤُكَ مِنـكَ وَمـا تَشـعُـرُ
وَتَـحْـسَبُ أَنَّـكَ جِـرْمٌ صَـغِـيرٌ
وَفيكَ انطَـوىٰ العالَـمُ الأَكبَـرُ”
فلم يَدعُ (هايدغر) في رسالته إلىٰ إلغاء إنسانية الإنسان ، بل كان يؤكد علىٰ تحريرها من التفسير التقني والمادي البحت ، والعودة إلىٰ الإصغاء لنداء الوجود كوجودٍ إنساني .
ورغم أن القيمة الأسمىٰ للفكر الوجودي هي الحرية ، فإن فضيلته التي تحتل الأولوية هي الصدق ، وصور خداع الذات تمثل النقيض للفكر الوجودي ، لأن الربط بين الصدق وبين الفردية الوجودية ، والفكرة في احتمالية وجود خُلُقِ صِدقٍ قائم علىٰ المسؤولية الوجودية ، علىٰ اعتبار أن “الوجودية” ليست إلا صورة أخرىٰ من الفردية البرجوازية المُجرَّدة من الوعي الجمعي وغير المبالية بالحاجة إلىٰ تناول المشكلات الأخلاقية والإنسانية للعصر ، حسبما يحاول الوجوديون تصوير التضامن الاجتماعي بأسلوب يعزّز حرية ومسؤولية الفرد بدلًا من أن يهددهما ، وهو ما يشكِّل أمراً غير قابل للنقاش .
أما تناول الجوانب التي يتسم بها الفكر الوجودي وارتباط الفلسفة الوجودية المستمر بعصرنا الحالي ، فإنه من الضروري الفصل بين الدلالة الفلسفية للحركة ورؤاها القوية ، وبين الزخارف التي اتسمت بها في سنوات مراهقتها في مقاهي “ليفت بانك” وتغييب عدد كبير من الوجوديين المعروفين رغم الحضور المُفرِط لـ(جان بول سارتر) في كتب النخب العربية . وعلىٰ الرغم من تجاوز ذِكر (كافكا و ديستويفسكي و بيكاسو و جياكوميتي و يونسكو و بيكيت) وكلها أسماء نماذج قوية للفكر الوجودي في الأدب و الفن ، إلا أن الاهتمام بالتعامل مع “الوجودية” كحركة فلسفية ذات آثار فنية بدلاً من اعتبارها (مجرد) حركة أدبية ذات ادعاءات فلسفية ، وهو المفهوم الشائع والخاطئ . أما الإكثار من ذكر (جان بول سارتر و سيمون دي بوفوار) فلأنهما الفيلسوفان الوحيدان اللذان تجرأ كلاهما علىٰ الاعتراف بأنهما وجوديان . ونظراً لأن “الوجودية” حركة تنتمي إلىٰ القرن العشرين المنصرم ، فقد تركَّزت هذه الحركة بالتأكيد علىٰ أعمال الثنائي الشهير (سارتر و دي بوفوار) إذْ لا يوجد من يمثّل الاتحاد والتوتر بين الفلسفة والأدب ، وبين التصور والخيال ، أو بين الانتقاد والنقد الملتزم باعتبار الفلسفة تأملاً وأسلوباً للحياة ، وهي السمات الأساس في تحديد الحالة الوجودية ، أفضل من (جان بول سارتر و سيمون دي بوفوار) .
ـ لندن 2026 ـ
==========
المـصـادر :
* الوجود والعدم : جان بول سارتر .
* إما ، أو : سورين كيرك غارد .
* الوجود والزمان : مارتن هايدغر .
* أخلاق التردد : سيمون دي بوفوار .







