أكاديمية جامعة بسكرة|الجزائر
أغلقتم الكُتّاب… ثم سألتم: لماذا ضاع الجيل؟
لسنا نعاني أزمة تعليم، وإنما نعاني أزمة أولويات.
صار الطفل يُدفع إلى المدرسة وهو يحمل على كتفيه أحلام العائلة كلها؛ طبيبًا، مهندسًا، قاضيًا، أستاذًا… ولا أحد يسأله: هل تحفظ جزءًا من كتاب الله؟ هل تُحسن صلاتك؟ هل تعرف ربك كما تعرف جدول الضرب؟
صرنا نصنع موظفين أكثر مما نصنع مؤمنين.
هذه هي الحقيقة التي نخشى قولها.
الأمة التي كانت تبدأ يومها بالقرآن، بدأت يومها اليوم بسباق المعدلات. والأسر التي كانت تفتخر بحافظ كتاب الله، أصبحت تتباهى بعدد الشهادات، ولو كان صاحبها لا يقيم الصلاة إلا على عجل، ولا يقرأ من القرآن إلا ما بقي عالقًا في ذاكرته منذ المرحلة الابتدائية.
الكُتّاب لم يكن رفاهية، ولم يكن عادة اجتماعية قديمة، وإنما كان المصنع الحقيقي للإنسان. فيه تعلّم الناس العربية من منبعها الصافي، فاستقامت ألسنتهم، ورقّت طباعهم، وعرفت قلوبهم خشية الله. لذلك كان الرجل الذي لم يدخل مدرسة حديثة يحفظ سورًا طوالًا، ويتلو القرآن بإتقان، ويقف إمامًا بالناس بثقة.
أما اليوم، فقد يحمل الإنسان أعلى الشهادات، ثم يعجز عن إمامة أسرته في صلاة المغرب، ويكرر في كل صلاة السور نفسها، لا لأن القرآن قصير، وإنما لأن العلاقة معه قصيرة.
أي حضارة ننتظر من جيل لا يعرف كتاب ربه؟
أي نهضة نرجوها من أمة تحفظ قوانين الأرض، وتنسى دستور السماء؟
نبكي إذا رسب الابن في امتحان، ولا نبكي إذا رسب في صلاته.
نعاقبه إذا نقصت درجاته، ولا نحاسبه إذا هجر القرآن.
ننفق الأموال على الدروس الخصوصية، ثم نستكثر دقائق يقضيها في المسجد.
أي خلل أصابنا حتى أصبح الراتب أهم من الركعة، والمنصب أغلى من السجدة، والشهادة أعظم شأنًا من آية يحفظها طفل في بيت من بيوت الله؟
يا أئمة المساجد… أين أنتم؟
يا خطباء الجمعة… أين غيرتكم؟
يا معلمي القرآن… أين مشروعكم لإحياء الكتاتيب؟
المسجد لا يُبنى بالمآذن وحدها، وإنما يمتلئ بالأطفال الذين يرددون القرآن. وإذا خلت المساجد من الصغار، امتلأت الشوارع بكل ما يخطف عقولهم وقلوبهم.
لا تقولوا إن الزمن تغيّر.
القرآن لا يشيخ.
ولا تقولوا إن الأطفال انشغلوا.
الذي انشغل هو الكبار.
ولا تقولوا إن المجتمع تبدّل.
المجتمع صنع خياراته بنفسه، ثم جلس يشتكي نتائجها.
إن أعظم كارثة لم تكن هجر الكتاتيب، وإنما هجر الفكرة التي قامت عليها: أن الإنسان يُبنى بالإيمان قبل الامتحان، وبالقرآن قبل الشهادة، وبالسجود قبل الصعود.
يوم يعود الطفل إلى الكُتّاب، ستعود العربية إلى لسانه، والسكينة إلى قلبه، والبركة إلى بيته.
أما إذا بقي القرآن ضيفًا في رمضان، وغريبًا في بقية العام، فلا تسألوا لماذا ضعفت اللغة، ولا لماذا تاه الأبناء، ولا لماذا كثرت الشهادات وقلّت الهداية.
لقد ربحنا أوراقًا تُعلَّق على الجدران… وخسرنا كتابًا أنزله الله ليُعلَّق في القلوب.