رحلة البحث عن مدرب أجنبي اين اختفى المدرب الجزائري؟

بقلم الأستاذ الدكتور أحمد بوسكرة
أستاذ الإدارة والتسيير الرياضي – جامعة المسيلة، الجزائر

بعد أن تناولنا في المقالات السابقة تشخيص أزمة المنتخب الوطني، وناقشنا مسؤولية المدرب وآليات تقييم الجهاز الفني، وانتقلنا إلى تحليل نقاط القوة والضعف في البيئة الداخلية للمشروع الوطني، تفرض المرحلة الحالية سؤالًا جديدًا فرض نفسه بقوة في وسائل الإعلام ووسط الجماهير الرياضية:

لماذا كل هذا التأخر في تعيين مدرب جديد للمنتخب الوطني، رغم أن الاستحقاقات القادمة تقترب؟ وإذا كان سوق المدربين العالمي لا يوفر حتى الآن مدربًا يتماشى مع مشروع المنتخب الوطني، فأين هو المدرب الجزائري؟ وأين تكمن المشكلة؟

لقد خرج المنتخب الوطني من كأس العالم 2026 بعد خسارته أمام سويسرا بهدفين دون مقابل في الدور الثاني، في 2 يوليو 2026، بعد أن نجح في تجاوز دور المجموعات للمرة الأولى منذ مشاركته في مونديال 2014.

وبعد نهاية المشاركة، تصاعد النقاش حول مستقبل الجهاز الفني، وانتهت العلاقة التعاقدية مع المدرب فلاديمير بيتكوفيتش وطاقمه الفني، وفق ما أعلنته الاتحادية لاحقًا، رغم أن الاتحادية كانت قد أعلنت قبل انطلاق كأس العالم بأقل من شهرين تمديد عقده إلى غاية 31 يوليو 2028.

وهنا تكمن إحدى المفارقات الإدارية التي تستحق التوقف عندها: قرار التمديد ثم إنهاء العلاقة بعد أسابيع قليلة يطرح بدوره أسئلة حول التخطيط، وإدارة المخاطر، ومعايير تقييم المدرب، وآليات اتخاذ القرار داخل المنظومة الفنية.

لكن السؤال الذي يهمنا في هذا المقال يتجاوز قرار الإنهاء نفسه:

هل نحن أمام أزمة مدرب، أم أمام أزمة صناعة مدرب؟

من البحث عن مدرب إلى البحث عن منظومة

من الطبيعي أن تبحث الاتحادية عن مدرب يملك الخبرة والكفاءة والقدرة على قيادة منتخب بحجم الجزائر، ومن الطبيعي كذلك أن يكون المدرب الأجنبي أحد الخيارات المطروحة في سوق المدربين العالمي.

فالاستعانة بالكفاءة الأجنبية ليست مشكلة في حد ذاتها، وقد استفادت منتخبات كثيرة من تجارب مدربين من مدارس كروية مختلفة.

لكن عندما تمتد رحلة البحث عن المدرب الجديد، وفي ظل حالة من الغموض التي تتابعها الجماهير والإعلام، يصبح من المشروع طرح سؤال مؤسسي:

هل توجد لدى الهيئة الفنية قائمة وطنية واضحة للمدربين الجزائريين المؤهلين، يمكن أن تشكل بدائل حقيقية للمنتخب الأول؟

وإذا كانت هذه القائمة موجودة، فأين هي في منظومة الاختيار والتقييم والترتيب؟

وهل يتم التعامل مع المدرب الجزائري باعتباره خيارًا استراتيجيًا يمكن تطويره، أم باعتباره حلًا اضطراريًا يتم اللجوء إليه عند تعذر الاتفاق مع مدرب أجنبي؟

هذا السؤال لا يمثل دعوة عاطفية إلى تعيين مدرب جزائري لمجرد أنه جزائري، كما لا يمثل موقفًا ضد المدرب الأجنبي.

المعيار يجب أن يبقى هو الكفاءة والخبرة والقدرة على قيادة المشروع الرياضي وتحقيق أهدافه.

لكن الكفاءة الوطنية تحتاج إلى منظومة تكتشفها وتصنعها وتطورها وتمنحها مسارًا مهنيًا واضحًا.

ومن هنا تنتقل القضية من اختيار المدرب إلى إنتاج القيادة الفنية.

بعد أكثر من ستة عقود… أين ذهب رصيد الخبرة الوطنية؟

بعد أكثر من ستة عقود من الاستقلال، راكمت الجزائر تجربة طويلة في كرة القدم، وأنتجت أجيالًا من اللاعبين والمدربين والخبراء والباحثين.

كما شهدت الرياضة الجزائرية منذ سبعينيات القرن الماضي تحولات تنظيمية وتكوينية مهمة، وتطورت مؤسسات التكوين العالي في علوم الرياضة، وأصبح للجزائر رصيد بشري وأكاديمي واسع في مختلف تخصصات الرياضة. ويؤكد الإطار القانوني والتنظيمي الجزائري منذ الأمر المتعلق بالتربية البدنية والرياضية لسنة 1976 وجود اهتمام مؤسسي مبكر ببناء منظومة التكوين الرياضي.

وقد قدمت المدرسة الجزائرية أسماء تدريبية تركت بصمتها في تاريخ المنتخب الوطني، من بينها محيي الدين خالف، رابح سعدان، عبد الحميد كرمالي، جمال بلماضي وغيرهم، إلى جانب أسماء أخرى عملت مع المنتخبات الوطنية والأندية الجزائرية والعربية والإفريقية.

وهنا تبرز المفارقة التي تستحق أن تتحول إلى سؤال وطني:

إذا كانت الجزائر قد استطاعت في مراحل سابقة إنتاج مدربين قادوا المنتخب الوطني وحققوا نتائج مهمة، فلماذا أصبح إنتاج مدرب النخبة الجزائري اليوم بهذه الصعوبة؟

هل المشكلة في نقص الكفاءات؟

أم في طريقة اكتشافها؟

أم في منظومة تكوينها؟

أم في محدودية فرص الاحتكاك والتدرج؟

أم في العلاقة بين الأندية والاتحادية والجامعة؟

أم في محدودية الثقة في المدرب الوطني؟

أم أن المشكلة أعمق من ذلك كله، وتتعلق بغياب مشروع وطني لصناعة القيادة الفنية من الفئات الشابة وصولًا إلى المنتخب الأول؟

وهنا يظهر سؤال آخر أكثر دقة:

أين هم المدربون الذين مروا على مختلف المنتخبات الوطنية للفئات العمرية؟

ماذا كانت مساراتهم بعد انتهاء مهامهم؟

كم واحدًا منهم واصل إلى مستويات أعلى؟

وكم واحدًا تم احتضانه وتطويره وإدماجه في مشروع المنتخب الأول؟

هذه الأسئلة لا تبحث عن مسؤول فردي، وإنما تبحث عن مسار مؤسسي.

اللاعب الدولي السابق… رأس مال بشري يحتاج إلى استثمار

هناك مورد بشري آخر لا يحظى بالاهتمام الذي يستحقه: اللاعب الدولي السابق.

فاللاعب الذي قضى سنوات في المنتخبات الوطنية، وخاض المنافسات القارية والدولية، ولعب في أندية محترفة داخل الجزائر وخارجها، يمتلك خبرة ميدانية لا يمكن اكتسابها بسهولة من الكتب والدورات النظرية.

لكن ماذا يحدث لهذا اللاعب بعد الاعتزال؟

هل توجد رؤية وطنية لتحويل اللاعب المتميز إلى مدرب يصنع المهارة؟

هل توجد برامج لمرافقته وتكوينه وتأهيله للانتقال من عقلية اللاعب إلى عقلية المدرب؟

هل توجد مسارات واضحة لإدماجه تدريجيًا في الأجهزة الفنية للأندية والمنتخبات؟

وهل توجد قاعدة بيانات وطنية للكفاءات الجزائرية في التدريب يمكن الرجوع إليها عند الحاجة؟

إن الاستثمار في اللاعب الدولي السابق لا يجب أن ينتهي بمجرد اعتزاله.

فاللاعب الدولي السابق يمكن أن يمثل رأس مال بشريًا استراتيجيًا، إذا تم تحويل تجربته إلى معرفة، ومعرفته إلى كفاءة تدريبية، وكفاءته إلى قيادة فنية.

الجامعة موجودة… فأين هي في مشروع صناعة المدرب؟

وهنا نصل إلى الحلقة التي تحتاج إلى إعادة بناء حقيقية: العلاقة بين الجامعة وكرة القدم الوطنية.

تمتلك الجزائر جامعات ومعاهد متخصصة في علوم وتقنيات النشاطات البدنية والرياضية، وتخرج كوادر في التدريب، والإدارة والتسيير الرياضي، وعلم النفس الرياضي، والعلوم المرتبطة بالأداء.

وفي المقابل، تتطور كرة القدم العالمية بسرعة نحو استخدام البيانات، والتحليل الرقمي، والذكاء الاصطناعي، وعلوم الأداء، والإعداد النفسي والبدني المتقدم.

فهل استطعنا بناء الجسر الحقيقي بين المعرفة الأكاديمية والممارسة الميدانية؟

هل أصبح الباحث الجامعي شريكًا في صناعة القرار الفني؟

هل يستفيد المدرب الجزائري من المعرفة العلمية المتراكمة داخل الجامعات؟

وهل تستفيد الجامعة من المشكلات الحقيقية التي تواجه كرة القدم الاحترافية والمنتخبات الوطنية في بناء أجندتها البحثية؟

إن مشروع صناعة المدرب الحديث يحتاج إلى تكامل بين الخبرة الميدانية والمعرفة العلمية.

وهنا يمكن للجامعة أن تتحول من فضاء للتكوين الأكاديمي إلى شريك حقيقي في صناعة المعرفة الرياضية وتطوير الأداء الفني والإداري.

هل نكوّن مدربين أم نصنع قيادات فنية؟

هذه النقطة ربما تكون من أهم الأسئلة في المقال.

هل هدف منظومة تكوين المدربين هو الحصول على الرخص، أم صناعة مدربين قادرين على بناء مشاريع رياضية؟

الرخصة ضرورية، لكنها تمثل بداية المسار وليست نهايته.

فالمدرب الذي يقود المنتخب الأول يحتاج إلى مجموعة متكاملة من الكفاءات: المعرفة الفنية والتكتيكية، القيادة، إدارة المجموعة، التخطيط الاستراتيجي، تحليل الأداء، التعامل مع البيانات، إدارة الأزمات، التواصل، فهم البيئة الثقافية والاجتماعية، والعمل ضمن منظومة حوكمة واضحة.

وتولي CAF اهتمامًا متزايدًا بتطوير تكوين المدربين، ومن أمثلة ذلك إطلاق دورات CAF D ضمن برامج كرة القدم المدرسية وتكوين المدربين في مختلف الدول الإفريقية.

لكن التحدي بالنسبة للجزائر يتجاوز السؤال عن توفر الدورات إلى سؤال أكثر أهمية:

كيف ننتقل من تكوين المدرب إلى صناعة مدرب النخبة؟

فالمنتخب الأول يحتاج إلى مدرب يمتلك رؤية لمشروع وطني، وليس فقط إلى مدرب يحمل رخصة تدريب.

المدرب الجزائري يحتاج إلى مسار… وليس إلى فرصة عابرة

المدرب الوطني لا ينبغي أن يظهر فجأة عندما يصبح منصب الناخب الوطني شاغرًا.

إنه يحتاج إلى مسار مهني متدرج.

مدرب للفئات الشابة، ثم مدرب لمنتخب وطني للفئات العمرية، ثم العمل ضمن الأجهزة الفنية للمنتخبات، ثم قيادة فريق محترف، ثم اكتساب الخبرة القارية والدولية، ثم تحمل مسؤوليات أكبر وصولًا إلى المنتخب الأول.

هذا المسار يحتاج إلى رؤية واستثمار ومرافقة وتقييم.

ويحتاج كذلك إلى أن تكون هناك نافذة وطنية حقيقية أمام المدرب الجزائري، حتى لا يصبح المدرب الأجنبي هو المسار الطبيعي الوحيد للوصول إلى المنتخب الأول.

فالمدرب الوطني الذي لا يحصل على فرصة للتدرج لن يصبح جاهزًا عندما نحتاج إليه.

البحث عن المدرب الأجنبي يجب أن يقودنا إلى سؤال أكبر

المنتخب الوطني يحتاج الآن إلى قرار فني واضح وسريع، لأن المرحلة القادمة لا تسمح بفراغ طويل.

فالاستحقاقات المقبلة تفرض الاستقرار، والمدرب الجديد يحتاج إلى الوقت للتعرف على اللاعبين، وبناء جهازه الفني، وتحديد فلسفته، وإطلاق مشروعه.

لكن القرار القادم يجب ألا يكون مجرد اختيار اسم.

يجب أن يكون اختيار مشروع فني.

والمدرب، سواء كان جزائريًا أو أجنبيًا، ينبغي أن يكون جزءًا من هذا المشروع، وأن يخضع اختياره لمعايير واضحة: فلسفته التدريبية، خبرته، قدرته على تطوير اللاعبين، ملاءمته للبيئة الجزائرية، قدرته على بناء جهاز فني متكامل، وإمكانية قياس أدائه من خلال مؤشرات واضحة.

فالاستقرار الفني الذي تحدثت عنه الاتحادية عند تمديد عقد بيتكوفيتش قبل كأس العالم يجب أن يتحول إلى استقرار مؤسسي في طريقة الاختيار والتقييم، وليس فقط إلى استمرار شخص واحد.

من استقدام المدرب إلى صناعة القيادة

إن الدرس الأهم الذي يمكن استخلاصه من المرحلة الحالية ليس اسم المدرب الذي سيتم التعاقد معه، وإنما ضرورة إعادة بناء منظومة القيادة الفنية في كرة القدم الجزائرية.

نحتاج إلى برنامج وطني لصناعة مدرب النخبة يقوم على:

– اكتشاف الكفاءات التدريبية الوطنية وتقييمها.
– إعادة تأهيل اللاعبين الدوليين السابقين الراغبين في دخول مجال التدريب.
– وضع مسارات واضحة لتدرج المدربين من الفئات الشابة إلى المنتخب الأول.
– ربط الجامعة بالاتحادية والأندية ومراكز التكوين.
– توسيع فرص الاحتكاك الدولي للمدربين الجزائريين.
– إدماج علوم البيانات والتحليل الرقمي والذكاء الاصطناعي في تكوين المدرب.
– اعتماد نظام موضوعي ومستمر لتقييم المدربين.
– إنشاء قاعدة بيانات وطنية للكفاءات الفنية الجزائرية داخل الوطن وخارجه.
– إعداد مساعدين ومدربين وطنيين للعمل ضمن الأجهزة الفنية للمنتخبات.
– بناء مؤشرات أداء واضحة لقياس تطور المدرب وليس فقط نتائج المباريات.

عندها يصبح البحث عن المدرب قرارًا مؤسسيًا، وليس رحلة بحث اضطرارية كلما انتهت مرحلة فنية.

الخلاصة: هل نبحث عن مدرب أم نبني مدرسة؟

ربما يكون السؤال الأكثر أهمية في هذه المرحلة:

هل تريد الجزائر مدربًا للمنتخب، أم تريد بناء مدرسة جزائرية في

المدرب الأجنبي يمكن أن يكون جزءًا من الحل، ويمكن أن يقدم خبرة جديدة ويضيف معرفة وتجربة إلى المنتخب.

لكن المشروع الوطني لكرة القدم يجب أن يكون قادرًا في الوقت نفسه على إنتاج مدربه الوطني.

فالاستقلال الرياضي لا يعني الاستغناء عن الخبرة الأجنبية، وإنما يعني امتلاك القدرة الوطنية على إنتاج المعرفة والكفاءة والقيادة، ثم الاستفادة من الخبرة الأجنبية ضمن مشروع واضح.

وبعد أكثر من ستة عقود من الاستقلال، وبعد أجيال من اللاعبين والمدربين والخريجين والباحثين، وبعد انتشار المدربين الجزائريين في الأندية الوطنية والعربية والإفريقية وخارج القارة، فإن السؤال لم يعد ترفًا فكريًا:

أين هو المدرب الجزائري الذي سيحمل المشعل؟

والإجابة لا تبدأ بالبحث عن اسم واحد.

الإجابة تبدأ ببناء منظومة وطنية لصناعة المدرب، وصناعة القيادة، وصناعة المستقبل.

ومن هنا، فإن مشروع المنتخب الوطني حتى 2030 يجب أن يتضمن محورًا استراتيجيًا مستقلًا بعنوان:

«المشروع الوطني لصناعة مدرب النخبة الجزائري».

لأن بناء منتخب قوي يبدأ من بناء مؤسساته، وبناء المؤسسات يبدأ من الاستثمار في الإنسان، والإنسان الذي يقود المشروع يحتاج إلى أن يكون هو نفسه نتاجًا لمشروع وطني مستدام.

فالمدرب قد يتغير، والأسماء قد تتغير، والنتائج قد تتغير؛ أما المدرسة الكروية الوطنية فهي التي تصنع الاستمرارية.