هي ضفتي الثالثة

حيدر الأديب كاتب وناقد وباحث| عراقي
ـــــــــــــــــــــــــــــ
ليس النهرُ فاصلاً بين بلادٍ تودّعني وبلادٍ تُنكرني
هو المجرى الذي نسيت فيه أسمائي الأولى. أتحين الكلمة وأعرف إنها محض برق هُنا،
بين يابسةٍ تضيقُ بالذكريات ويابسةٍ تتسعُ للغُرباء،
أبتكرُ مكاناً لا يصلحُ للخرائط؛ أرضاً رخوةً تُشبه التردد بين البكاء والابتسامة، وأُسميها: ضفتي الثالثة
ضفةٌ لا يطؤها الضوء لأنها بلا سياج، ولا يسكنها الحنين لأنها لا تؤمن بالرجوع
أقفُ في منتصف الماء. كثير ما وقفت في منتصف الماء

في هذه المسافة المعلّقة بين ضفتين، أستعيرُ صوت الناي قبل أن يكتمل ثقبه الأخير.
أقول لنفسي: كُن ما تشاءُ إذا انقسم الهواءُ إلى رايتين، وكُن الحيادَ إذا ادّعى الخريفُ وصاية الشجر.

أجلسُ على حافة الموج وأكتب وصيتي للعاشقين: لا تبحثوا عن شاطئٍ ثالثٍ في الجغرافيا، ابحثوا مثلي في ثنايا الجملة
في النظرة التي تفصل بين وداعٍ ولقاء،
وفي الحب حين يصير كافياً لذاته دون موعدٍ أو مكان.
أنا الضفة الثالثة، وأنا النهرُ الذي يفيضُ على نفسه كي لا يُقاس بالمسافة بين ضفتين
قلتُ لظلي المبتلّ برذاذِ الحيرة: استرحْ من حراسةِ جسدٍ أرهقتهُ الرغبات
هي ضفّتي الثالثة:
نزهةٌ في اللاوصول
وخلاصٌ من حُمّى المعنى.
أرمي ما تبقّى من ساعتي إلى القاع، وأتفرّغُ لترتيبِ هذا الفراغِ النبيل.
كائنٌ من ماءٍ وذاكرةٍ متعبة، يقفُ شاهداً على تدفقِ النهرِ نحوَ مصبّهِ المجهول، ويقولُ للضفّتين معاً: اذهبا إلى نهاياتكما بسلام، فقد وجدتُ بلادي كُلّها في هذه المسافةِ المعلّقةِ بين موتٍ مؤجل…
وموت مؤجل أخر