الولد الشقي سابقًا… والحكواتي حاليًا
بقلم: فايل المطاعني الحكواتي
تمرّ أيام العمر سريعة، وما يبقى منها في الذاكرة ليس عدد السنوات التي عشناها، وإنما تلك التفاصيل الصغيرة التي تركت في نفوسنا أثرًا لا يزول.
فالذكريات، مهما حاول الإنسان أن ينساها، تعود إليه في لحظة ما؛ صورة، أو رائحة، أو مكان، أو حتى اسم كلب!
نعم… اسم كلب!
ومن بين الذكريات التي قررت اليوم أن أفتح ملفها، قصتي العجيبة مع كلب أخوي أبو محمد.
وأقول «العجيبة» لأنني منذ طفولتي كانت علاقتي بالكلاب علاقة تحتاج إلى وسيط أممي، وربما إلى قوات حفظ سلام!
العنوان نفسه أعادني إلى قصيدة الشاعر الكبير أحمد فؤاد نجم «كلب الست»، لكن الفرق أن كلب الست كان يلاحق الفاجومي لأنه لا يعرفه، وهذا أمر طبيعي في عالم الكلاب؛ فالكلب يرى شخصًا غريبًا فيقول في نفسه:
«هذا الشخص مشبوه… خلينا نتحقق من هويته بالنباح!»
أما كلب أخوي أبو محمد، فكان يعرفني جيدًا… ومع ذلك كان يكرهني!
وهنا تبدأ الحكاية.
لكن قبل أن نبدأ، لا بد أن أعرّفكم بأخوي أبو محمد، فهو ليس مجرد أخ، وإنما زميل كفاح وشريك شقاوة منذ الطفولة، وأحد أبطال مذكراتي السابقة، وتحديدًا في حكاية البقرة زبيدة.★
أخوي هذا كبر معي، وكبرت معه شقاوته، إلا أن الفرق بيننا أنني عندما كبرت حاولت أن أعقل، أما هو فقرر أن ينتقل من مرحلة الشقاوة إلى مرحلة «الحاج متولي»!
والأغرب من ذلك أنه يريد مني أن أشاركه مشروع التعدد النسائي!
يعني باختصار يريدني أن أشاركه الزواج من امرأة أخرى على أم سعود!
قلت له:
يا أخوي، أنا بالكاد أتحمل مفاوضات البيت اليومية، وتريدني أدخل في مفاوضات جديدة؟!
ثم اكتشفت أن عنده طلبًا آخر أكثر تعجيزًا من موضوع الزواج نفسه…
يريدني أن أشاركه تربية الكلاب!
وهنا قلت له:
يا أخوي، الزواج من امرأة ثانية أهون عندي من تربية كلب!
لأنني بصراحة لا أحب الكلاب، ولا القطط، ولا هذه الكائنات التي تمشي في الحياة وكأنها صاحبة البيت ونحن ضيوف عندها!
والأغرب أن الشعور متبادل.
أنا لا أحبهم… وهم أيضًا، حسب ما أعتقد، لا يحبونني!
يعني بيننا علاقة متوازنة جدًا… كل طرف يحترم مشاعر الطرف الآخر!
منذ أن كنا صغارًا كان مع أخوي كلب اسمه جاكي.
وجاكي هذا كان يكرهني كراهية شديدة، وكأنه مقتنع أنني ارتكبت جريمة في حق عائلته ولم أعترف بها.
كان ينظر إليّ نظرات تقول:
«أنت بالذات… لا أريد أن أراك هنا!»
وأنا بدوري كنت أبادله الشعور نفسه.
حتى كنت أشعر أحيانًا أن جاكي يعتبرني مثل زوج والدته، وأنني الشخص الذي طلب منها ذات يوم أن ترميه في الشارع!
المهم، كبر أخوي وكبرت معه هواية تربية الكلاب.
لكن المشكلة أن الهواية عنده لم تعد هواية!
تحولت إلى مشروع استثماري كامل.
مجموعة كبيرة من الكلاب، وكل واحد منها له سلالة، وشهادة ميلاد، ونسب، وتاريخ عائلي!
وأحيانًا كنت أنظر إلى أحد الكلاب وأقول في نفسي:
يا جماعة الخير… هذا كلب أم إنسان؟!
حتى الكلاب دخلت في موضوع السلالات والأنساب!
بعضها قيمته تصل إلى آلاف الريالات، وأنا أقول لأخوي:
يا رجل، لو بعت واحدًا من هذه الكلاب، يمكنني أن أحل مديونية موزمبيق!
لكنه ينظر إليّ وكأنه سمع إهانة في حق أحد أبنائه ويقول:
«لا يا أخوي، هذا ما ينباع!»
وأنا أقول:
طيب أنا إذا احتجت فلوس، أبيع نفسي؟!
لكنه يحبها جدًا، وأصبحت الكلاب بالنسبة له جزءًا من حياته.
أما أنا فحاولت أن أعيش حياتي بعيدًا عنها، لكن يبدو أن القدر كان مصرًا على أن يجمعني بها.
فقد حاول أخوي مرارًا أن يعقد صلحًا بيني وبين تلك الكائنات.
يقول لي:
«يا أخوي، تعال… هذا الكلب طيب وما يسوي لك شيء.»
وأقول له:
طيب، وأنا ماذا فعلت له حتى أروح له أصلًا؟!
ثم يبدأ الكلب بالنباح.
وأنا أقول:
شفت؟!
أنا لم أقل شيئًا، وهو بدأ المؤتمر الصحفي!
فيقول أخوي:
«لا تخاف، هو بس يعبّر عن فرحته.»
قلت له:
إذا هذه فرحته، كيف تكون زعلته؟!
وهكذا انتهت كل محاولات الصلح بالفشل.
أنا أقول:
لا صلح مع الكلاب.
والكلاب، حسب ما أعتقد، تقول:
ولا صلح مع هذا المخلوق!
يعني الموضوع ليس خلافًا عائليًا، بل حرب داحس والغبراء، ولكن بدل الخيل عندنا كلاب وقطط!
والمصيبة أنني اكتشفت أن المشكلة انتقلت إلى الجيل الجديد.
ابنتي، وعمرها عشر سنوات، تصر على اقتناء قطة.
تقول لي:
«أبي، أريد أربي قطة.»
أنظر إليها وأقول:
يا ابنتي، أبوك بينه وبين هذه المخلوقات تاريخ طويل!
فتقول:
«بس أنا أحب القطط.»
وأقول لها:
وأنا أحبك، لكن لا تجبريني على الدخول في حرب جديدة!
كيف أشرح لطفلة عمرها عشر سنوات أن أباها لديه اتفاقية عدم اعتداء مع القطط والكلاب، وأن أي قطة تدخل البيت قد تعتبر نفسها في مهمة عسكرية؟!
ثم أقول لها:
يا ابنتي، نحن في البيت نربي أبناءنا… لا نربي حيوانات!
فتنظر إليّ وكأنها تقول:
«واضح أن بابا يحتاج إلى إعادة تأهيل!»
وفي النهاية أدركت شيئًا مهمًا:
أخوي أبو محمد لديه كلاب بمئات وآلاف الريالات، وابنتي تريد قطة، وأنا الوحيد في العائلة الذي يريد أن يعيش حياته بهدوء!
وهنا قررت أن أرفع الراية البيضاء…
ليس حبًا في الكلاب والقطط، وإنما خوفًا من أن تتحول الأسرة كلها إلى حديقة حيوانات منزلية، وأنا أصبح الحيوان الوحيد الذي لا يعرف كيف يهرب!
أما أخوي أبو محمد، فإذا قرأ هذه المذكرات، فأقول له:
يا أخوي العزيز…
أنا موافق على كل شيء…
الذكريات، والمغامرات، وحتى حكاية البقرة زبيدة…
لكن الكلاب خلّها لك، والزواج الثاني ناقشه مع نفسك، وأنا أكتفي بأن أكون الحكواتي!
وفي النهاية…
إذا رأيتموني يومًا أمشي في الشارع وأعبر إلى الجهة الثانية عندما أشاهد كلبًا، فلا تظنوا أنني خائف!
أنا فقط أحترم الخصوصية المتبادلة بيني وبين الكلاب.
وإذا اشترت ابنتي قطة يومًا، فسوف أكتب مذكرات جديدة بعنوان:
«كيف عشت مع قطة وأنا لا أحب القطط؟»
وأخشى أن يكون الفصل الأخير منها:
«الحكواتي يبحث عن بيت جديد… لأن القطة طردته من البيت!»
ودمتم بخير…
الولد الشقي سابقًا
الحكواتي حاليًا
★ البقرة زبيدة حكاية سابقة من مذكرات الولد الشقي.