إيل ملك.. كاهن أوغاريت الأكبر ورسول الحكمة والمحبة.. سادن المعابد وحارس الذاكرة الأوغاريتية

الدكتور غسان القيم كاتب وباحث ومؤرخ وعالم ٱثارأكاديمي |سوري .

الرجل الذي جعل من المعبد منارةً للفكر والمحبة والوجدانيات الكبرى .
“””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””
عرفتنا ترجمات الرقم الفخارية المكتشفة في مدينة اوغاريت الأثرية التي تمت في السنوات الماضية على الكثير من الشخصيات المهمة التي كان لها دور مؤثر وكبير في مجتمع اوغاريت منها راشبابو ورابعانو واورتينو إضافة إلى شخصية هامة ألا وهي كبير كهنة مدينة اوغاريت “إيل ملك” الكاهن الأكبر حيث كشفت لنا المكتشفات الأثرية على منزله في منطقة الاكربول حي المعابد..وكيف أثرت رسالته على المجتمع الأوغاريتي كما ذكرتها لنا المصادر الكتابية.
في قلب هذه المدينة العظيمة التي كانت تُعتبر منارة للثقافة والحضارة في شرق البحر الأبيض المتوسط، برزت شخصية استثنائية حملت على عاتقها رسالة سامية ورفيعة: إيل ملك، الكاهن الأكبر الذي كرّس حياته لإرساء رسالة الفكر والمعرفة ونشر نور الهداية والوجدانيات الكبرى بين أبناء مجتمعه.
كان “إيل ملك” أكثر من مجرد رجل دين؛ كان مُعلِّمًا، مُرشدًا ورمزًا للسلام والمحبة. في زمن كانت فيه المدن تتصارع على النفوذ والسيطرة، نجح “إيل ملك” في أن يجعل من أوغاريت نموذجًا فريدًا للعيش المشترك والاحترام المتبادل بين كافة أطياف المجتمع. لم يكن دوره مقتصرًا على أداء الطقوس الدينية فحسب بل امتد إلى عمق القلوب والعقول حيث بث روح الحكمة والتسامح وأرسى دعائم المحبة كأساس لكل علاقة اجتماعية.
كان “إيل ملك” يؤمن بأن المعرفة ليست حكراً على فئة معينة بل هي حق لكل إنسان يسعى للنمو والتطور. فا بإلهامه ازدهرت في أوغاريت ثقافة الحوار والتفاهم، وبرزت قواسم مشتركة بين الناس على اختلاف أصولهم ومعتقداتهم. وقد انعكس هذا الجو الودي على الحياة اليومية حيث عاش الناس في تناغم، يتشاركون الأفراح والأحزان ويتعاونون لبناء مجتمع متين متسامح.
ومن أشهر إسهامات “إيل ملك” كانت تأسيسه لمكتبة أوغاريت التي ضمت ٱلاف الألواح الفخارية المكتوبة بالخط المسماري والتي لم تكن مجرد مخزن للمعرفة، بل مركزًا للحوار الفكري وروح الإبداع. فقد آمن إيل ملك بأن الفكر المتنور هو السبيل الحقيقي نحو السلام الداخلي والاجتماعي.
في سردية أجيال أوغاريت تظل شخصية “إيل ملك” مضيئة كالكاهن الذي لم يكتفِ بالدين كشعيرة بل رفعه إلى رسالة إنسانية شاملة صاغها من خلال المحبة الاحترام والتسامح. وهكذا تحولت أوغاريت تحت قيادته الروحية إلى واحة من الفكر الرفيع وقيم الإنسانية التي لا تنضب.
حياة إيل ملك الخاصة كانت بقدر ما هي بسيطة بقدر ما تحمل من عمق روحي وإنساني. رغم مكانته الكبيرة ككاهن أعظم في أوغاريت لم يكن “إيل ملك” يعيش حياة البذخ أو الترف، بل اختار حياة الزهد والتواضع كطريقة ليقترب من الناس ويفهم همومهم بصدق.
نشأ “إيل ملك” في أسرة متواضعة تعتز بالتقاليد الدينية ومنذ صغره تميز بحب التعلم والفضول الفكري مما جعله يتعمق في دراسة الألواح المسمارية القديمة والنصوص الدينية التي كانت محفوظة في معابد أوغاريت. لم يكن مجرد طالب معرفة بل كان متأملًا يبحث عن الحكمة في كل ما حوله من الطبيعة إلى حياة الناس اليومية.
كان “إيل ملك” معروفًا بكرمه الكبير لا يفرق بين غني وفقير في مساعدته وكان يقضي معظم وقته بين الناس، يسمع لهم، يواسيهم، ويقدم لهم النصيحة برقة وروحانية عميقة. في حياته الخاصة كان يحب قضاء لحظات من التأمل في المعابد القديمة تحت ضوء الشموع حيث كان يكتب أفكاره ورسائله التي تنقل حكمة الحياة وقيمة المحبة والاحترام.
على الرغم من انشغاله الدائم برسالته كان لإيل ملك جانب إنساني نادر فقد كان يحب الموسيقى والشعر ويجد فيهما وسيلة للتعبير عن أعماق وجدانه ويساعده ذلك في التواصل مع الناس بطرق تتجاوز الكلمات. كما كان يحب قضاء أوقات هادئة في الطبيعة المحيطة بأوغاريت متأملاً في دورة الحياة وجمال الخلق مما غذى فكره الروحي.
كانت حياته الشخصية مثالاً للتوازن بين الالتزام الديني والرحمة الإنسانية وبين الفكر المتنور والوجدانيات العميقة مما جعله شخصية محبوبة ومؤثرة تركت أثرًا لا يمحى في تاريخ أوغاريت وفي قلوب أهلها وكيف أصبح
رمزًا للوحدة والتسامح وذاعت قصته كدرس يتوارثه الناس عن كيف يمكن للفكر والمعرفة والوجدانيات أن تحوّل الصراعات إلى جسور من المحبة والاحترام..

عاشق أوغاريت..غسّان القيّم.
.𐎂𐎎𐎐 𐎍𐎖𐎊𐎎

الصورة المرفقة لوحة أداء القسم التي اكتشفت في منزل الكاهن الأكبر ايل ملك في ثلاثينيات القرن الماضي..