
رائد القلوب».. صرخة الفقد وبلاغة المرثاة في وجدان الأمومة للكاتبة فاطمة الزهراء بولعراس
إصدار:
«رائد القلوب».. صرخة الفقد وبلاغة المرثاة في وجدان الأمومة للكاتبة فاطمة الزهراء بولعراس
مصطفى بوغازي/الجزائر
يقف كتاب «رائد القلوب» للكاتبة الجزائرية فاطمة الزهراء بولعراس كشاهد أدبي ووجداني ينبض بالفجيعة، ويتدفق بلغة مبللة بالدمع ومضجة باللوعة والأسى. إنه ليس مجرد سيرة مرثاة تقليدية، بل هو صرخة أمومية تنبعث من رماد الفقد وتستحيل إلى منجز كتابي يلامس جراح الروح وانكسارها الطاعن أمام صدمة الرحيل المباغت. يبدأ العمل من عتبته الأولى بإهداء يختزل مسافة الفاجعة بين الأرض والسماء، متوجهاً إلى الابن الراحل في عليائه بكلمات تنبض بحرقة الذبيح الشهيد. وتتجلى في هذا النص فلسفة خاصة للأمومة المكلومة، حيث تتحول الأبجدية من أداة للتعبير إلى ملاذ أخير للتنفس ومحاولة مستميتة لرتق جراح لا تندمل؛ فالكاتبة لا تكتب لتسرد أحداثاً مجردة، بل لتمسك بطيف ولدها الراحل رائد وتنسج من ذكرياته وطاقته الراحلة جسراً يصل بين عالمين.
يتأسس هذا المنجز الأدبي على محاور وجدانية وثيمات موضوعاتية تحفر عميقاً في مكامن الفقد، حيث تفتتح المؤلفة بوحها بنبرة مكابرة صوفية تؤكد فيها أنها عامرة بفقيدها رغم رحيله. يتجاوز الفقد هنا معناه الجغرافي والجسدي ليصبح المفقود حاضراً في كل تفاصيل البيت والروح، يملأ الفراغ بالغياب الحاضر. ولا يقف كتاب «رائد القلوب» عند حدود المرثاة لخسارة الجسد بالمرض، بل يمتد لينبش في أوجاع الصدمة الإنسانية ونكران العشير والخيانة التي أحاطت بفقيدها في أيامه الأخيرة، معبرة عن هذا الابتلاء بلغة حارقة تتساءل عن مكر الليل والنهار الذي باغت روحاً نقية لم تتعلم الخداع.
كما تتجلى جمالية السرد في تحويل الأشياء اليومية إلى رموز للأسى الشاهق، كالحذاء الأسود المتروك في الرواق، والمعطف المعلق، وقارورة العطر، والمشط الأزرق، والنافذة التي تطل على المقبرة، ورسائل الهاتف المحفوظة؛ إذ تحولت كل قطعة مادية إلى كائن يصرخ ويشارك الأم نحيبها اليومي. ورغم تنامي ثنائية الانتماء لـ «برج الحب» في عالم تلاطمته الأنانية والنكران، يظل النص في خاتمته محكوماً بالرضا والاحتساب والتسليم للقدر.
وعلى صعيد المقومات الأسلوبية والبلاغية، يعتمد النص على المناجاة المباشرة التي تخاطب الفقيد بصيغة الحاضر لمنحه حرارة التواجد الحي وإلغاء مسافة الموت، إلى جانب البناء التناظري القائم على التقابل بين دفء الماضي الحافل بالضحكات وبرودة الحاضر الخاوي وصمت المقبرة. كما ينهمر الإيقاع اللغوي الفاجع بجمل قصيرة متتابعة تنتهي بسكتات وجدانية وتكرارات نداء متألمة، مدعمة بصور بيانية مستمدة من الطبيعة والألم لتجسيد معاني الابتلاء والرحيل. وبذلك، يتحول كتاب «رائد القلوب» إلى وثيقة عاطفية تنحت في صخر الفقد لتخرج منه مزاراً من الكلمات، حيث تنصهر لغة الفاجعة ببلاغة الصبر والرجاء، في أثر يسكب الدمع في عين كل من يعايش شجن الأمومة وانكسار الروح أمام هول الغياب.







