
الجوائز الأدبية وحمى المناكفات البينية
الجوائز الأدبية وحمى المناكفات البينية
مصطفى بوغازي/ الجزائر
إن الوقوف عند ظاهرة الجوائز الأدبية وما يرافقها من حمى المناكفات البينية يفتح الباب واسعاً للغوص في مساحة شائكة تتقاطع فيها القيمة الجمالية للنص مع البعد الإنساني والسلطوي للمؤسسة الثقافية، حيث أضحت هذه الجوائز في السنوات الأخيرة المحرك الأكبر للمبيعات والتغطيات الإعلامية، لكنها في الوقت ذاته أنشأت حالة حادة من الاستقطاب، حوّلت النقاش من التحليل الفكري والبنائي الملتزم بالجماليات إلى حروب إعلامية وتشكيك دائم في نزاهة المسابقات. ولا يخفى أن الغياب الملحوظ للنقد الأدبي المستقل قد ضاعف من هذه الشراسة، إذ صار التتويج أو الاستبعاد هو الحكم الوحيد على النص بالبقاء أو الفناء، ليتحول الوسط الثقافي في كثير من الأحيان إلى ساحة لتصفية الحسابات والنرجسيات المجروحة بدلاً من أن يكون بيئة حوار وتلاقح أفكار. ويشتد هذا التوتر حين تسلّط الأضواء على التشكيك في اتساع نفوذ الشليلية والعلاقات الشخصية والتكتلات الصداقية في توجيه بوصلة القرارات، مما يجعل النتائج تبدو لدى شريحة واسعة انعكاساً للولاءات لا للاستحقاق الأدبي، وهو ما يُفجر موجات عارمة من التذمر والتعليقات الحادة التي تصخب بها الصحف والمنصات الإعلامية عقب إعلان كل قائمة. وفي عمق هذه الظاهرة تتجلى ازدواجية الأهداف، بين ما هو معلن كدعم الأدب وتكريم المبدعين وتشجيع القراءة، وبين ما هو غير معلن يتعلق ببناء هيمنة رمزية وتوجيه الذائقة العامة، وصولاً إلى اصطياد بعض الألقاب والأسماء وقنص الجوائز لنصوص تُكتب خصيصاً على مقاس الجهات المنظمة، سواء بالاستجابة لأجندات أيديولوجية محددة أو بإظهار الولاء والامتثال للجهة الراعية. ومع هذا التحول، انحسرت الرغبة في البحث عن القيمة المعنوية والرمزية للتتويج ليتجه الشغف محمومًا نحو القيمة المالية المباشرة للمسابقات، حيث أصبحت المكافأة المادية هي المعيار الأول للتنافس، مما جرد الممارسة الأدبية من ألقها التجريبي والجمالي وأحالها إلى سباق على الغنائم. وقد استفحلت هذه الظاهرة بشكل ملحوظ خلال هذه السنة 2026 في المشهد الثقافي الجزائري، حيث شهدت الساحة موجات متتالية من التصعيد والتشكيك؛ فبدءاً بجائزة رئيس الجمهورية للمبدعين الشباب “علي معاشي”، لم يتوان إعلامي ومثقف عن شن حملة تشهير شرسة على أعضاء لجنة التحكيم وحشد بعض الأسماء في موكبه لإرباك المشهد، وهو ذاته من يواصل اليوم التوعد والوعيد لأعضاء لجنة تحكيم جائزة “الطاهر وطار” للرواية، متمادياً في شخصنة القضية والتجريح المباشر الذي لا مبرر له سوى فرض الوصاية على اللجان. ولم تسلم من هذه الهزة القائمتان الطويلة والقصيرة للرواية في جائزة “آسيا جبار”، إذ طالتهما مظاهر الامتعاض التشكيك المتكرر. وعلى الرغم من أن الجوائز تظل نافذة مهمة لانتشار الكاتب وتوفير الدعم المعنوي والمالي له، إلا أن استمرار هذه المناكفات وارتهان النصوص لمعايير خارقة للعمل الإبداعي يهددان بثقة القارئ بالمنتج الثقافي ككل، وتظل الغاية الأسمى للكتابة معلقة دائماً برهان واحد لا يزول، وهو سلطة النص وحصانة الجمال المستقلة عن كل حظوة أو تتويج.







