قوس النصر في اللاذقية.. حين يروي الحجر سيرة الفي عام غبرت

الدكتور غسان القيم كاتب وباحث ومؤرخ وعالم أثار أكاديمي |  سوري
“””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””
في مدينة اللاذقية وفي قلب حي الصليبة العتيق حيث تتعانق رائحة البحر مع ذاكرة الأزقة القديمة يقف قوس النصر شامخاً حارساً للذاكرة كأنه صفحةٌ من كتابٍ حجريٍّ لم تطوِه القرون. هناك في المكان الذي يسميه أهل اللاذقية بمحبةٍ ‘الكنيسة المعلقة” لا ترى مجرد بناء روماني قديم بل ترى شاهداً صامتاً على آلاف الخطوات التي مرّت من تحته وعلى أممٍ جاءت ورحلت وبقي هو يراقب الزمن من علٍ.
منذ ما يزيد على ألفي عام ارتفعت حجارته الرملية لتعلن انتصاراً سياسياً في زمن الرومان لكن الزمن منحه معنىً أعمق من أي انتصار عسكري.. فقد تحوّل إلى ذاكرة مدينة بأكملها وإلى علامةٍ لا تنفصل عن صورة اللاذقية نفسها. تعاقبت عليه العواصف والأمطار ورطوبة البحر ومرّت حوله حضارات وجيوش وقوافل وتجار وحجاج بينما ظل واقفاً كشيخٍ حكيم يعرف أسرار المكان كلها ولا يفشيها.
وحين تقف أمامه اليوم وسط ضجيج السيارات والأبنية الحديثة تشعر أن التاريخ لم يغادر هذه المدينة قط. فالحجارة التي نحتها بنّاؤون سوريون قبل قرون طويلة ما زالت تحتفظ بأثر أيديهم وما زالت النقوش الرومانية الباهتة تهمس بقصص الفرسان والدروع والرماح التي عبرت من هنا ذات يوم.
إن قوس النصر ليس مجرد أثرٍ لفترة يطلق عليها عصر روماني بل رسالة سورية مكتوبة بالحجر. رسالة تقول إن هذه الأرض لم تكن يوماً عابرةً في سجل الحضارات بل كانت دائماً ملتقى طرق العالم ومسرحاً لتاريخٍ لا ينضب. فكل حجر فيه يروي فصلاً من قصة وطنٍ علّم البشرية الأبجدية في أوغاريت ورفع المعابد والكنائس والمساجد وترك على امتداد أرضه آثاراً تشهد بأن السلام والثقافة والحياة كانت هنا منذ أقدم العصور.
وهكذا يبقى قوس النصر في اللاذقية أكثر من معلمٍ أثري إنه حارس الذاكرة ونافذة مفتوحة على زمنٍ بعيد ودرسٌ صامتٌ للأجيال بأن الأوطان العظيمة لا تُقاس بعمر البشر بل بما تتركه من أثرٍ في التاريخ.
إنها سورية.. وطن السلام التي كلما نطق حجرٌ من حجارتها سمع العالم صوت عمره آلاف السنين.

عاشق اوغاريت..غسان القيم..