
مدينة الزجاج تحت الماء» للكاتب والناقد الأستاذ إبراهيم ميزي
إصدار
«مدينة الزجاج تحت الماء»
للكاتب والناقد الأستاذ إبراهيم ميزي
مصطفى بوغازي/ الجزائر
تُعدّ مجموعة «مدينة الزجاج تحت الماء» للكاتب والناقد الأستاذ إبراهيم ميزي، الصادرة عن منشورات «القرن 21 للنشر والتوزيع والترجمة» بالجزائر، منارةً أدبية تكشف عن أسرار البحر وتستلهم من مدينة شرشال البحرية العريقة أبعاداً وجودية عميقة. تأتي هذه المجموعة المزينة ببصمة بصرية فريدة قائمة على لوحات تعبيرية بقلم الرصاص لتشكل سديمًا حكائياً يغوص في زرقة البحر المتوسط بحثاً عن أوجاع الغياب والفقد وحسرة الأمهات. إنها ليست مجرد حكايات عابرة تصف سحر الماء، بل هي سردية متكاملة تتخذ من البحر كائناً حياً يحفظ أسماء الغرقى، وتستند إلى مقدمة بقلم الروائية نادية علاوة لتنطلق من وجع “يمينة” وابنها “أيوب”، محاكية جدلية البر والبحر، والحياة والموت، ومؤكدة أن المحبين لا يغيبون نهائياً بل يظلون أحياءً في القبر الوحيد الذي لا يستطيع الموج ابتلاعه وهو قلب الأم، فضلاً على تضمنها أبعاد الوفاء لرفاق السلاح وأبطال العشرية السوداء في تربة الصدق والكرامة.
أضفى الكاتب على مجموعة نصوصه هوية بصرية تمثلت في لوحات منفذة بقلم الرصاص والتظليل بالفحم والرمادي، والتي تتجاوز الدور التزييني لتشكل امتداداً سينمائياً ودلالياً لروح النصوص. فالدرجات الرمادية تمثل معادلاً موضوعياً لحالة “البرزخ” التي يعيشها المنتظرون بين الأمل واليأس، بينما تمنح اللوحات المصاحبة كقوارب الصيد الفارغة والقمصان المعلقة والنوافذ واللوحات الفحمية ووجه الصبي كلها محطات تأمل بصرية تستوقف القاريء و تشحن النص بعاطفة موازية. كما تعمل تقنية التضاد الضوئي على عكس فكرة القنديل الذي يُشعل في العتمة، لينبعث الأمل من وسط الحزن المظلم.
تتألق نصوص المجموعة بلغة متدفقة تشبه حركة الموج بين المد والجزر، جامِعَةً بين الجزالة التراثية والواقعية السحرية، وتتجلى هذه الشعرية في لغة طقسية تزخر بالمفردات البحرية المتكررة مثل السردين، الملح، القمر، والخاتم النحاسي، إلى جانب جرس صوتي حزين يستلهم الموروث الشعبي واللغة الأمازيغية . وتطرح النصوص أبعاداً فلسفية عميقة تفترض أن البحر لا يبتلع الاجساد بل يحفظها ، فالغرقى لا يموتون بل يسكنون مدينة زجاجية تحت الماء يصطادون فيها الضوء بدل السمك. وتبرز رمزية “السردين” و”الخاتم النحاسي” باعتبارهما رسائل وعيوناً تلمع بدموع الغائبين، بينما يروي النحاس الذي يصدأ ويخضر بعرق العاشقين تفاصيل الحكاية الممتزجة بملح الذاكرة. ويتوج هذا المسار الوجودي برمزية الميلاد والتكرار عبر ولادة “أيوب الصغير” من أحشاء وردة وعلى صدره بقعة بيضاء كدفء الصدفة، لتنتصر الحياة ويعود الغائب في هيئة ولد فيها من جديد وهو يردد مقولة جده: «البحر هزّنا.. لكنه لم يقلبنا!».
بهذا، تمثل مجموعة «مدينة الزجاج تحت الماء» إضافة نوعية ومتميزة للقصة الجزائرية والعربية المعاصرة، واحتفاءً فريداً بأدب الساحل والموانئ الذي يخلد صبر الأمهات، لتترك في القارئ تجربة وجدانية وبصرية مبتلاً بملح الكلمات ومؤمناً برائحة الريحان والوفاء.







