
حين يعيش الأبناء بين ابوين لكن بلا اسرة
سلطان الفارسي كاتب | سلطنة عُمان
ليس كل بيتٍ تجتمع فيه العائلة عامرًا بالطمأنينة، وليس كل سقفٍ يجمع الأب والأم والأبناء يعني أن الأسرة بخير. فهناك بيوتٌ يسكنها الجميع، لكنّ الصمت يسكنها أكثر؛ يجلس الأب في زاوية، والأم في أخرى، وبينهما أبناءٌ يتنقّلون بحذر، يخافون أن يقولوا كلمةً تُشعل خلافًا جديدًا.
يظنّ بعض الآباء أن أبناءهم لا يفهمون ما يحدث، لكنهم يشعرون بكل شيء: بنبرة الصوت حين ترتفع، وبالأبواب حين تُغلق بقوة، وبالوجوه التي يملؤها الضيق، وبالليالي التي ينامون فيها وهم يتساءلون: هل سيكون الغد أهدأ؟ وهل سيبقى أبي وأمي معًا؟
وقد يعيش الطفل بين والديه، لكنه يشعر أنه فقدهما معًا؛ أبٌ حاضر بجسده وغائب عن قلبه، وأمٌّ تخفي دمعتها خلف ابتسامةٍ متعبة. يبحث عن حضنٍ يطمئنه، وعن كلمةٍ تشعره أن ما يحدث ليس ذنبه، لكنه قد لا يجد إلا صمتًا طويلًا وخلافاتٍ لا يعرف كيف يوقفها.
الأقسى أن يُجبر الأبناء على اختيار طرفٍ دون آخر، أو يُحمَّلوا رسائل العتاب واللوم، أو يُطلب منهم أن يخفوا أسرارًا عن أحد والديهم. فالطفل ليس وسيطًا بين أبوين، ولا قاضيًا يفصل بينهما، ولا ينبغي أن يدفع ثمن خلافاتٍ لم يصنعها.
قد تختلف القلوب، وقد تتعب الحياة الزوجية، لكن الأبناء لا يجب أن يكونوا ساحةً للخلاف. وإن عجز الوالدان عن إعادة المودة إلى البيت، فليحفظا على الأقل احترامهما أمام أبنائهما، وليمنحاهم الأمان الذي يحتاجونه؛ فالأبوة والأمومة مسؤوليةٌ باقية، حتى حين تتغيّر العلاقة بين الزوجين.
فلنتذكّر أن الطفل قد ينسى تفاصيل الشجار، لكنه لا ينسى شعوره وهو واقفٌ بين والديه خائفًا، ولا ينسى من جعله يشعر أنه محبوبٌ وآمن. لا تجعلوا أبناءكم يعيشون في بيتٍ واحد، لكن في عالمين متخاصمين؛ فهم لا يحتاجون بيتًا كاملًا في شكله فقط، بل قلوبًا تحميهم من الانكسار.







