عن منشورات رومنس القرن21.

إصدار:

عن منشورات رومنس القرن21.

ديوان “رقصات قطر الندى – دهشة الهايبون الجزائريّ” للأديب مصطفى دحماني

 

مصطفى بوغازي/ الجزائر

 

يأتي ديوان “رقصات قطر الندى – دهشة الهايبون الجزائريّ” للأديب مصطفى دحماني ليشكّل منجزا متفردا ومحاولة جادة لتوطين فنّ “الهايبون” -الفن الياباني العريق القائم على المزاوجة بين سردية النثر وومضة الهايكو- في البيئة الجزائرية عموماً، وريف ولاية المدية وقراها العريقة (كدحمانية، بني سليمان، تابلاط، بئر بن عابد، وغيرها) خصوصاً. الديوان ليس مجرد نصوص أدبية عابرة، بل هو عدسة ذاكرةش ووثيقة حية تحفظ تفاصيل الحياة الريفية بكل قسوتها وجمالها؛ بدءاً من صقيع الشتاء وحصار الثلوج، مرورا بانفجار الحياة واحتفاليات الربيع (كالجزّ، والحراثة، وتجفين الحليب، وحياكة المنسج)، وصولاً إلى قيظ الصيف وعنفوانه، وشجن الخريف وتساقط أوراقه. لقد نجح الكاتب في أن يجعل من الطين والظل فلسفة للبقاء والنور، متخذاً من عتبات السرد الكلاسيكي والومضة الشعرية المكثفة جسراً يربط الناشئة وجيل المدن بجذورهم الخالدة.

 

تتألق لغة الأديب مصطفى دحماني بثرائها الدلالي وقدرتها الفائقة على نحت المشهد الحسيّ ببراعة تشبه عمل النقاش على الحجر. لغته ليست مترفة عبثاً، بل هي لغة طينية حية، تنبض برائحة الأرض المبلولة، ودخان الكوانين وبياض الثلوج، وعطر الزيتون. يمزج الكاتب بحرافة بين السرد القصيصي المحمّل بالتفاصيل اليومية (النثر)، وبين الومضة الشعرية المقطرة (الهايكو) التي تعمل عمل العدسة المقربة لتلتقي جوهر اللحظة الهاربة. هذه الثنائية صنعت إقاعاً داخلياً ، يجعل القارئ يشعر وكأنّه يمشي حافياً يلامس بقدميه على أديم أرض صار يعرفها.

 

من منظور موضوعي، يمكن تقييم التجربة الشعرية والفنية في الديوان وفق محددات دقيقة؛ فقد نجح الشاعر/الكاتب في استنهاض روح الهايكو الياباني (القائم على الدهشة، الطبيعة، وفصل السنة) وسبكه بوعي جزائري خالص، حيث لم تكن ومضاته حشوًا، بل ضربات فرشاة دقيقة. كما اتسمت النصوص بالتلاحم العضوي بين النثر والهايكو؛ فالنثر يشكل الحكاية والأرض والحرث، بينما يمثل الهايكو ثمرة البذرة والدهشة الصافية. بالإضافة إلى ذلك، ابتعد الكاتب عن التقريرية المباشرة، فجاءت النصوص محملة بصدق التجربة المعيشة ومعايشة الأرض، لتنقل ملمحا عن واقع الجزائر الحقيقي وعذابات الذاكرة كالتطرق لأوجاع العشرية السوداء .

 

ديوان “رقصات قطر الندى” ليس مجرد إضافة للمكتبة الشعرية والنثرية فحسب، بل هو سجلّ توثيقي جمالي يمنح القارئ طمأنينة الروح، ويعيد الاعتبار للأرض والإنسان والبساطة. لقد كتب مصطفى دحماني بمداد القلب ووفاء الذاكرة، فاستحق أن يقف النص شامخاً كأشجار الأرز في شيليا، وناضجاً كحبات الكرز في مواسم الألوان.