جسد قابل للطي: حين يصبح العنوان خاتمةً تأويلية للنص

جسد قابل للطي: حين يصبح العنوان خاتمةً تأويلية للنص

وعندما تصبح الأقنعة الاجتماعية هي جوهر التجربة

بقلم أ.د عبد الحميد هيمة

كلية الآداب واللغات جامعة ورقلة(الجزائر)

 

 

الدكتورة زينب لوت صاحبة تجربة إبداعية ونقدية متميزة، تجمع بين الحسّ الإبداعي والوعي النقدي، وتكشف تجربتها عن اهتمام واضح بقضايا الأدب والفكر والجماليات

وهي تجربة رائدة وتستحق كل إشادة وتنويه، لما تمثله من حضور علمي وأدبي رصين، ومن مسار معرفي استطاع أن يجمع بين حساسية المبدعة وعمق الناقدة، في تجربة تتسم بالجدية والثراء والانفتاح على أسئلة الأدب وتحولاته.

في مجال الكتابة القصصية، تمثل زينب لوت تجربةً أدبيةً لافتة، تقوم على استثمار القصة القصيرة في التعبير عن الإنسان وهمومه النفسية والاجتماعية. وتتميز كتابتها بقدرتها على التقاط التفاصيل اليومية وتحويلها إلى مواقف دالة، مع حضور واضح للبعد الإنساني والوجداني. كما تكشف تجربتها عن وعي فني بأهمية اللغة والتكثيف وبناء الشخصيات، بحيث لا تقتصر القصة على سرد الأحداث، بل تتجاوز ذلك إلى الإيحاء وطرح الأسئلة حول الواقع والإنسان. ومن ثمّ يمكن النظر إلى تجربتها القصصية بوصفها مسارًا يجمع بين البساطة في السرد والعمق في الدلالة، ويعكس اهتمامًا بقضايا الإنسان وواقعه وتطلعاته.

لقد أثبتت الدكتورة زينب لوت أن الإبداع والنقد ليسا مسارين متوازيين، وإنما فضاءان متكاملان يضيء أحدهما الآخر؛ ولذلك لم يعد الإبداع لديها مجرد انفعال عابرا، بل رؤية فكرية وجمالية تستند إلى وعي عميق باللغة والإنسان والمجتمع

ولذلك فإن ريادة تجربتها تكمن في قدرتها على المزاوجة بين المعرفة الأكاديمية والروح الإبداعية، وبين صرامة المنهج وحرارة التجربة، بما يجعل أعمالها إضافة نوعية إلى المشهد الأدبي، ويمنحها خصوصيتها وتميزها ..

ولذلك فإن الاحتفاء بتجربة الدكتورة زينب لوت هو احتفاء بنموذج من المثقفة الجزائرية التي تؤمن بأن الأدب رسالة، وأن النقد مسؤولية، وأن الإبداع الحقيقي لا يكتفي بإنتاج النص، بل يسهم في بناء الوعي وإعادة تشكيل علاقتنا باللغة والفن والإنسان

وأسعد اليوم بالحديث عن تجربتها القصصية، وتحديدا مجموعتها القصصية الجديدة ” جسد قابل للطي ” التي جاءت بعد أعمال سابقة نذكر منها على الخصوص مجموعتها القصصية ” حريم زحل “، الصادرة سنة 2021 عن دار غراب للنشر والتوزيع، وهي مجموعة تضم قصصًا قصيرة وقصيرة جدًا، وتُصنَّف ضمن الأدب الوجيز.

هذه التجربة الجديدة، “جسد قابل للطي”، تقع في ثلاثين صفحة، وتضم سبع قصص قصيرة. ونأمل أن تجد هذه المجموعة طريقها إلى النشر قريبًا، إذ أحسب أنها ستمثل إضافة نوعية، ليس إلى تجربة زينب لوت الإبداعية فحسب، وإنما إلى المشهد القصصي الجزائري المعاصر أيضًا. ولعل أبرز ما يميز هذه المجموعة العنوان: “جسد قابل للطي” عنوان يستفز أفق التلقي، ينقل الجسد من كونه كيانًا إنسانيًا ثابتًا إلى كونه شيئًا قابلًا للتشكيل وإعادة الوضع والضغط والتطويع. وهذا يجعل العنوان منذ البداية محمّلًا بسؤال: من الذي يطوي الجسد؟ ولماذا؟ ولصالح من؟ وهنا يمكن أن تتعدد مستويات “الطي”:

الطي الاجتماعي: إخضاع الجسد لقواعد المجتمع وما يسمح به وما يمنعه.

الطي الجندري: تشكيل جسد المرأة وفق الصورة التي يريدها الآخر.

الطي النفسي: انكماش الذات تحت ضغط التجربة أو القهر.

الطي المكاني: جسد يضطر إلى التكيف مع الأمكنة والحدود المفروضة عليه.

الطي السردي: تحويل التجربة الكبيرة إلى نصوص قصيرة ومكثفة.

وهذا الأخير مهم جدًا إذا كانت المجموعة تنتمي إلى مشروع لوت في القصة القصيرة والقصيرة جدًا؛ لأن «الطي» يمكن أن يصبح استعارة للشكل نفسه: تجربة إنسانية واسعة تُطوى داخل مساحة سردية صغيرة، ولعل الأكثر إثارة: العلاقة بين “الجسد” و”الطي”

الجسد عادة يُفترض أنه شيء ممتد في المكان: له حضور، حجم، حركة، رغبة، ذاكرة. أما “الطي” فيعني تقليص هذا الامتداد، ولذلك يمكن أن نقرأ العنوان بوصفه سؤالًا عن حق الجسد في الامتداد، هل يملك الإنسان جسده، أم أن المجتمع يملك حق تحديد حجمه وحركته ومكانه وصورته؟، ومن هنا يصبح العنوان قريبًا جدًا من سؤال الكتابة النسوية وتحريك أفق انتظار المتلقي، لكن من دون أن نختزل المجموعة مسبقًا في “الأدب النسوي”، ينبغي أن نرى أولًا كيف تشتغل القصص على الجسد فعليًا.

إذا كانت لوت تنتقل في «حريم زحل» من الحريم بوصفه فضاءً اجتماعيًا مغلقًا إلى ” زحل ” بوصفه فضاءً غريبًا وكونيًا، فإن عنوان “جسد قابل للطي” يبدو، على مستوى العنوان وحده، أكثر التصاقًا بمفهوم الجسد بوصفه نصًا تتصارع عليه السلطات والتجارب والذاكرة.

أي أننا قد نكون أمام انتقال من:

المرأة ← الفضاء الذي يحاصرها

إلى:

الجسد ← الآليات التي تعيد تشكيله.

إن مجموعة الدكتورة زينب لوت «جسد قابل للطي»، في ظاهرها، مجموعة قصصية تتألف من سبع قصص، غير أن وحدتها العميقة لا تصنعها الشخصيات أو الأحداث بقدر ما يصنعها ذلك الخيط الدقيق الذي يصل بين ما يحدث للإنسان وما يحدث داخله. فالقصة هنا لا تنتهي عند حدود الواقعة، بل تبدأ منها؛ إذ إن الحدث ليس سوى سطح تتحرك تحته طبقات من المعنى، والوعي، والذاكرة، والخيال.

إنها مجموعة تنظر إلى الإنسان من الداخل، وتفتش عن تلك المساحات التي لا تستطيع الحياة اليومية أن تكشفها بسهولة. ولذلك فإن أبطال القصص لا يظهرون بوصفهم ذوات مكتملة ومستقرة، وإنما بوصفهم كائنات قلقة، قابلة للتحول والانكسار وإعادة التشكل. ومن هنا يبدو عنوان المجموعة «جسد قابل للطي» مفتاحًا تأويليًا بالغ الدلالة؛ فالجسد في العنوان ليس مجرد جسد مادي، وإنما يمكن أن يصبح استعارة للذات الإنسانية حين تضطر إلى الانكماش أمام الواقع، أو إلى إخفاء رغباتها، أو إلى طيّ ذاكرتها، أو إلى إعادة ترتيب حقيقتها كي تتمكن من مواصلة العيش.