الأسس الفلسفية للقانون الجزائي الدولي

حول الأسس الفلسفية لـ(القانون الجزائي الدولي) ..
د.علي أحمد جديد

شـهـد القانـون الجـزائي الدولي انتـشاراً واضحـاً في أوائـل تسعينيـات القـرن العشـريـن المنـصـرم ، من خلال إنشاء ولايات قضائية – دولية وإقليمية ومحلية – خاصة بجرائم الحـرب وتعهدها ، ومن خلال التفـاوض حول البنية التحتية القـانونية لـ(لمحكمة الجنائية الدولية) الدائمة وإنشائها وتمويلها والصبر عليها . وقد شجعت المنظمـات غير الحكومية الدول طوال تلك المراحل بالدعوة إلىٰ معـايير معينة عندما أنشأت الدول الولايات القضائية من خلال تقديم المساعَدات إلىٰ المحاكم العامة والخاصة ، ولا سيّما الخدمات في مجـال المقـاضـاة . وبدأ القضـاة والمحامون الممارسون في الولايات القضائية المعنية بجرائم الحرب تحليلاً تفصيلياً للقانون الجزائي الدولي المطبَّق لتفسيره والكتابة عنه . وقد استغرق الحقل الأكاديمي عقوداً من السنوات ليلحق بركب المجال الذي تتسع رقعته بسرعة لتقودَه الدول والممارسات . فقدَّموا مساهماتهم بأعداد كبيرة تمخضت عن مؤلفات عديدة من المقالات والدراسات والتعليقات والتدوينات التي تشمل نصوصاً تتعلق بالمدارس الفقهية القانونية أو بالجرائم والأركان والأحكام المتعلقة بالقانون الجزائي الدولي ، بل وتشبعت بها بعض المجالات في هذا الفرع من المعارف القانونية . وكان ثمة بوادر تبشيرية لإرادة جازمة كان من الممكن لها أن تتجاوز الاحتياجات الفعلية في ممارسة العدالة الجنائية للجرائم الدولية الأساسية لولا المَيل إلىٰ تَعمُّدِ المبالغة في التأطير الجامد Uberdogmatisierung فباتت المؤلفات حول الدور الارتباطي أو الاجتماعي السياسي في ممارسة القانون الجزائي الدولي (أي العدالة الجنائية إزاء الجرائم الدولية الأساسية) خاضعة للسياسات العالمية وبصورة خاصة القوية منها ، ولا سيمّا في سياق ما يُعرف بالعدالة الانتقالية ، وبات من غير المحتمل الاقتراب من شفا أي أملٍ بمرحلة يتمتع فيها العالم بفرصة كافية للحصول علىٰ خبرة القانون الجزائي الدولي وإمكانية تطبيقه خلال السعي نحو التحول إلىٰ السلام والاستقرار بعيداً عن جرائم الحروب والصراعات المسلحة . لأن الخبرات القانونية الدولية لم تتساوىٰ مع وجود إرادة قوية من الحكومات لاستخدام العدالة الجنائية بالفعل في الجرائم الدولية الأساسية . وإذا كان من الممكن أن يغدو علم القانون الجزائي الدولي أكثر دراماتيكية بافتقاره إلىٰ علم فرعي تتبلور فيه فلسفة القانون الجزائي الدولي ، فإن العمل الذي قام به عدد قليل من المؤلفين بمفردهم حول الجوانب النظرية ـ حصراً ـ لهذا العلم ، ولا يوجد خط واضح بين المناهج المذهبية أو التعصبية (الدوغماتيةDogmatism) والفلسفية التي تتناول القانون الجزائي الدولي ، فإنه لابد من الدعوة إلىٰ تقديم المساهمات للتركيز علىٰ هذا العلم التركيز وعلىٰ المفاهيم أو الأقسام الأساسية والتي هي :
“العقاب ، المسؤولية ، المساءلة ، القِصاص ، الحالة النفسية ، القصد ، الضرر ، المصلحة القانونية ، المصلحة التي يحميها القانون ، الإنسانية ، النزاهة ، الردع والمنع ، السيادة ، الإقليمية” .
وكذلك علىٰ مؤشراته التقديرية مثل :
“المعقول ، المتناسب .. والضرورة” . كما يحتوي المشروع علىٰ المصطلحات الناشئة مثل :
“المصالحة والوحدة” .
وغالباً ما تستغرق القواعد التي تشكل المذاهب القانونية ، والتي تتناولها الكتابات المذهبية فترة طويلة من الوقت لبنائها والعمل بموجبها وذلك بمساهمات المشرِّعين والقضاة والمُدَّعين والمستشارين وخبراء القانون الجزائي الدولي ، لأن المفاهيم الأساسية التي تقوم عليها القواعد والمبادئ أقدم ، لكنها غدت ذات مغزىٰ بفضل الجهود الفاعلة في الفلسفة والدين وغيرها من جميع أنحاء العالم للربط بين النصوص ذات الصلة والتي قد تكون في هذا الوقت قد تناولت القانون الجزائي والقانون الدولي العام علىٰ نطاق أوسع أو الفلسفة من جهة ، وبين المفاهيم الأساسية للقانون الجزائي الدولي المعاصر من جهة أخرىٰ . وكان من ضمن المفكرين في هذا المجال كل من (هوغو غروتيوس ، توماس هوبز ، إمريش دي فاتيل ، إيمانويل كانط ، جورج دابليو إف هيغل ، جيرمي بنتام ، جون ستيوارت ميل ، رافائيل ليمكين ، هانا أرندت .. ويورغن هابرماس).
وتزامن الإعلان عن هذه الدعوة للمشاركة مع نشر بحث “موجز السياسات” للبروفسور (فيليب ألوت) الأستاذ في “جامعة كامبريدج” بعنوان (السبيل إلى عالم أفضل : الإنسان بين مكامن قوته ومواطن ضعفه) ، الذي يناقش فيه (ضرورة استعادة الوظيفة الاجتماعية المرموقة للفلسفة) ، وهي فكرة متوغلة في اعترافات البرفيسور (أنتوني ت. كرونمان) صاحب موسوعة “الأسس الفلسفية للقانون الجزائي الدولي” . فكتب البرفيسور (فيليب ألوت) قائلاً :
“لا يمكن أن يكون القانون أفضل من المجتمع الذي يخدمه ذلك القانون ، ولكن علىٰ رجال القانون واجب محاولة جعل القانون في أفضل صورة ممكنة . ولا أهمية لهذا في أي مجال تضارع أهميته في المجتمع الدولي . لقد ورثنا نظاماً قانونياً دولياً جرىٰ تسويغه في القرن الثامن عشر بوصفه نظاماً إصلاحياً تدريجياً يوازن بين المصالح الذاتية للدول ممثلة في حكوماتها” .
أما عن استكشاف القيود المحتملة التي تقيد القانون الجزائي الدولي – فيدعو (ألوت) إلىٰ بناء مسوغات لهذا العلم تهتم بالمستقبل ، وإلىٰ تقييم ما إذا كانت مفاهيمه الأساسية تفرض حدوداً واضحة لتطوير محتواه وطرق إنفاذه بشكل أكبر . وهل من الممكن أو من المحتمل أن يصبح القانون الجزائي الدولي قانوناً جنائياً مشتركاً للبشرية ، بحيث يتجاوز نطاق المخالفات التي ترتكب في النزاعات المسلحة والمواقف الاستثنائية الأخرىٰ ليشمل الأضرار البالغة التي تلحق بالبيئة أو الصحة العامة أو الأسواق المالية ؟ أم يفشل القانون الجزائي الدولي بصورته الحالية البدائية في حماية المصالح القانونية أو المصالح التي تعكس القيم المشتركة المعاصرة أو الناشئة؟ وهل تتضمن الجذور الفكرية للقانون الجزائي الدولي آليات إنفاذ أو آليات قضائية مشتركة تكون مُلزِمة أكثر من تلك المنوطة بها المحكمة الجنائية الدولية؟
ويسعى مشروع “الأسس الفلسفية للقانون الجزائي الدولي” إلىٰ تناول هذه الأسئلة وغيرها من الأسئلة الأخرىٰ ذات الصلة من وجهة نظر تخصصات وزوايا متعددة .

ـ يتبع ـ