قراءة نقدية تجربة الميتا شعرية قصيدة بؤرة المجاز نموذجا بقلم الناقدة جليلة المازني للشاعر حاتم الإمام غضباني

قراءة نقدية :”تجربة الميتاشعرية : (قصيدة بؤرة المجاز نموذجا)”
القصيدة: “بؤرة المجاز” (مخاض القصيدة)
الشاعر حاتم الامام غضباني (تونس)
الناقدة :جليلة المازني (تونس)
القراءة النقدية: :”تجربة الميتاشعرية :(قصيدة بؤرة المجاز نموذجا)”
المقدّمة:
يطرح الشاعر حاتم الامام غضباني في قصيدته ” بؤرة المجاز (مخاض القصيدة) ” مسألة الميتاشعرية ..وقد ضمّن القصيدة عتبات ميتاشعرية وهو بذلك يؤسس لمفهوم للشعر وللقصيدة :
– فما هو مفهوم الميتاشعرية ؟
– ماهي العتبات الميتاشعرية وماهي دلالاتها؟
– ماهي تجليات الميتاشعرية في القصيدة؟
1- مفهوم الميتاشعرية (1) :
يرى الناقد عبد اللطيف الوراري ان الميتاشعرية هي “مصطلح نقدي يشير الى “الشعر الذي يتحدث عن الشعر” او” القصيدة التي تصف نفسها” ويمارس فيه الشاعر دور الناقد متأملا في عملية الكتابة ومصادر الهامه وحدود اللغة.. يُعدُّ تعبيرا عن الحداثة والوعي النقدي حيث يصبح النص إطارا لتنظير
الشاعر حول فنّه”.
ويُرجع الباحث “رينيه ويليك” جذور الميتاشعرية الى الشاعر “هوراس” في قصيدته الشهيرة “فنّ الشعر”
2- العتبات الميتاشعرية: من العتبات الميتاشعرية وهي نصوص موازية بالقصيدة:
العنوان/ النصوص الموازية للقصيدة (مجموعة الأساطير المذكورة):
ان هذه العتبات الميتاشعرية تتحوّل في القصيدة الى نصوص موازية ولم يكن تضمينها
للقصيدة من قبل الشاعر اعتباطًا بل اختارها لما لها من دلالات معنوية.
أ- العنوان: “بؤرة المجاز (مخاض القصيدة)”
لقد ضمّن الشاعر لقصيدته “بؤرة المجاز” عنوانا فرعيا “مخاض القصيدة”
والمخاض عادة ينسب للمرأة الحامل التي تأتيها أوجاع قبل الولادة بقليل .
وقد ذكر الله تعالى المخاض في سورة مريم الآية (23 ) “فأجاءها المخاض الى جذع النخلة قالت يا ليتني متّ قبل هذا وكنت نسيا منسيا”.
والشاعر كنّى عن القصيدة بالمرأة التي تعيش المخاض قبل الولادة.
وبالتالي هل ان ولادة القصيدة لدى الشاعرعسيرة المنال بسبب أوجاع المخاض؟
هل أن الشاعر يوازي بين معاناة المرأة في مخاضها ومعاناة القصيدة في مخاضها أيضا؟
ولحظات المخاض هي لحظات حياة أو موت بالنسبة للمرأة التي ستلد.
وبالتالي هل أن مخاض القصيدة يمثل لحظات ولادة للقصيدة أم هي لحظات عقم و عدم ولادة؟
ب – تواتر الاساطير بالقصيدة وكل أسطورة توحي بنص مواز للقصيدة يدعم عسر ولادة القصيدة
وفي هذا الاطار فان الشاعر ومن وجهة نظر ميتاشعرية يهدم مفهوما للقصيدة ويؤسس لمفهوم جديد وهو: يقوّض ليبني/ يرفض ليقبل/ يدحض ليدعم ..
– الهدم : انه يهدم مفهوما قائما على المألوف المبتذل للقصيدة.
– البناء: ان الشاعر يؤسس لولادة قصيدة هي” بؤرة المجاز” ومن ثمّ كان عنوان القصيدة “بؤرة المجاز”
انه يرفض القصيدة المألوفة بكلماتها ويؤسس لقصيدة تقوم على المجاز بما فيه من أساليب انزياحية دلالية وتركيبية وايقاعية وهذا ليس سهل المنال ولعل ذلك ما جعله يعتبره مخاض القصيدة.
– وفي هذا الاطار فان الشاعر يضع نفسه تحت المجهر فيتفحّص مصادر الهامه ومخاوفه وآماله وتصوراته حيال الكتابة الشعرية.
– ولعل الشاعر من خلال هذه الميتاشعرية يُعيد النظر في موقعه إزاء الشعراء الآخرين وإزاء تراثه الشعري فنراه يسائل نفسه ويمْتحنُها , نراه يتفحّص الشكل الشعري ويعيد تركيبه..
انها صفة الشاعر الناقد وهي من سمات الميتاشعرية.
3- تجليات الميتاشعرية في قصيدة “بؤرة المجاز”:
لقد تجلت الميتاشعرية اضافة للعتبات الميتا شعرية من خلال:
أ- تواتر الأسطورة بالقصيدة :
لد ذكر الشاعر العديد من الاساطير التي خلدت أسماء أصحابها فذكر :
– أسطورة أوديب في مواجهة أبي الهول.
– أسطورة سارق النار بروميثينوس
– أسطورة نرجس
– أسطورة عشبة جلجامش
– أسطورة سيزيف
والمتأمل في كل هذه الأساطير يسجل معاناة أبطالها من أجل الوصول الى أهدافهم ولعل الشاعر استدعاها لتكون شاهدا على معاناة القصيدة ايضا وتمثل في المخاض قبل ولادتها.
ان استخدام الشاعر للأسطورة يشي بانه يريد ولادة قصيدة أسطورية تتحدى واقع القصيدة المألوف:
– كما تحدى أوديب أبا الهول وانتصر عليه.
– كما تحدى سارق النار بروميثيوس لكبير الآلهة زيوس لمنح النار للبشر فكان رمزا للتضحية والمعرفة والتمرد.
– كما تحدى الشاعر نرجس الأسطورة النرجسية الى غرق الحقيقة في بحيرة المجاز.
– كما تجسد عشبة جلجامش الخلود الحقيقي الذي لا يكون بالجسد بل بما يتركه الانسان من أعمال صالحة وانجازات.
ولعل القصيدة بهذا المفهوم هي منزلة الشاعر الخالد بالتجديد والتجدد تماما كما تبعث عشبة جلجامش النضارة والتجدد.
– كما قاوم سيزيف عبثية الوجود ولم يستسلم للهزيمة فالقصيدة تقاوم اللغة وتحميها من الانهيار.. فالقصيدة تقاوم عجز اللغة على بعث قصيدة هي “بؤرة المجاز”.
ولعل الشاعر هنا يتقاطع مع الشاعر المصري حافظ ابراهيم حين جعل اللغة العربية ترثي نفسها وتبكي عجزها وتنعى حظها حين قال:
رجعت لنفسي فاتهمت حصاتي// وناديت قومي فاحتسبت حياتي
رموني بعقم في الشباب وليتني // عقمت فلم أجزع لقول عداتي
أنا البحر في أحشائه الدرّ كامن // فهل سألوا الغواص عن صدفاتي؟
والشاعر يستخدم الكناية ليكنّيَ عن نفسه بسيزيف في معاناته الوجودية فاللغة تخذله ولا تطاوعه فيجبر على الصمت الذي يعيده الى النقطة الصفر فيقول :
وَأَنَا أَفْتَضُّ جَمَالَ رِقَّتِهَا.. وَنُعُومَةُ حَرْفٍ يَخْرُجُ مِنْ حَلْقِي لَا يُؤَدِّي (…)
فتَمَامَ مقاصدها …
بَعِيدَةِ المَنَال…
كُلَّمَا.. حَاوَلْتُ تَقْلِيمَ أَظَافِرِ مَعْنَاهَا بِمِقَصِّ أَبْجَدِيَّتِي، دَمَيْتُ أَصَابِعَ الخَيَالِ
!!!فيّ:
واكثر من ذلك فانه ينفي عن نفسه النرجسية الخيالية المرَضية ليثبت أن القصيدة حقيقة غارقة في بحيرة المجاز فيقول:
فَأَنَا “نَرْجِسُ” الَّذِي لَا يَرَى وَجْهَهُ فِي المَاءِ،
بَلْ يَرَى غَرَقَ الحَقِيقَةِ فِي بُحَيْرَةِ
. المَجَازْ
والشاعر قد عبر بامتياز عن عجز القصيدة لتكون القصيدة الأسطورة باستخدام ترديدة أضفت على القصيدة إيقاعا داخليا له دلالته في شعوره بالذنب باعتباره شاعرا (ولعله يقصد كل الشعراء) لم يحقق أسطورية القصيدة فتارة يقول:
“وأشعر بالخجل” التي رددها مرتين “وأشعر بالغثيان وبالدوار وبرعشة ..”
انه بين شعور بالخجل وشعور بالغثيان لأن قصيدته صرْحٌ من الرمال سريع الانهيار فيقول:
أَشْعُرُ بِالغَثَيَانِ، بِالدَّوَارِ، بِرَعْشَةٍ.. لَا أَعْرِفُ سَبَبَ إِثَارَتِهَا بَيْنَ الجَوَانِحِ
وَالضُّلُوعْ..
لِأَنَّنِي أَبْنِي صَرْحًا مِنَ الرِّمَالِ لِيَسْكُنَهُ إِلَهٌ مِنْ رَعْدٍ سَرِيعِ الِانْقِضَاضْ،
ان الشاعر يتأمل منجزه الشعري ويتفحصه فيجده “صرحا من الرمال”
انه استخدم مفارقة عجيبة اذ كيف للصرح وهو رمز الشموخ والصلابة ان يكون من رمال سريعة الانهيار.
ومن وجهة نظر ميتاشعرية يرفض ان تكون القصيدة صرحا من رمال ليؤسس لقصيدة هي بؤرة المجاز لتكون صامدة عبر تقلبات الزمن.
وفي هذا الاطار هل أن الشاعر يُعيد النظر في موقعه إزاء الشعراء الآخرين وإزاء تراثه الشعري فنراه يسائل نفسه ويمْتحنُها , نراه يتفحّص الشكل الشعري ويعيد تركيبه؟
ب- معجزة القصيدة:
ان الشاعر يفترض( والقصيدة في حالة مخاض) فرضيتين لا ثالثة بينهما وهو بذلك يحسم أمر القصيدة فيجعل مخاضها بداية نبوة أو إلهام عقم :
+ بداية نبوّة فيقول :
أشعر بشيء يدك عظمي(..)
هل هي بداية نبوّة؟
ان الشاعر بترك تلك الفجوة النصية(…) قد يثير فضول القارئ ليمارس حق التأويل ويعتبر الشاعر وهو يصف حالته والقصيدة في حالة مخاض باستدعاء الشخصية الدينية المتمثلة في النبي محمد (عليه الصلاة والسلام) حين نزل عليه الوحي لأول مرة بغار حراء وما أصابه من خوف ورهبة شديدة عند رؤية الملك جبريل وقال “دثروني دثروني”.
وبالتالي هل أن للقصيدة قداسة الوحي القرآني عند مخاضها وودتها؟.
+ عقم إلهام :يقول :
هل هي بداية نبوة؟ ام عقم الهام؟
هناك شيء:
يؤزني ,يؤخزني, يدفعني لكن..
لم أجد بعد الكلمات
انه سيزيف يصعد جبل النطق ليسقط في هوة
الصمت الرهيب
وبالتالي فان الشاعر يؤسس لقصيدة هي بداية نبوّة ويهدم لمفهوم لقصيدة هي إلهام عقم.
و في هذا الاطار يخرج بحكم يتمثل في أن القصيدة هي ولادة بعد مخاض.
كاني بالشاعر يعتبر ان القصيدة بدون معاناة المخاض ليست قصيدة وان الشاعر ما لم يعش ألم المخاض فقصيدته لن تولد. فيقول باستخدام تشبيه بليغ ليجعل المخاض كالغلالة .
والغلالة حسب معجم المعاني هي لباس خفيف وشفاف وتتميز بكونها تظهر ما تحتها كغلالة النوم .
ووجه الشبه بينها وبين المخاض في الشفافية التي تجعل من القصيدة واقعا او اسطورة او غيوبا .
والغيوب حسب معجم المعاني تعني كل ما خفي واستتر عن الحواس وعلم البشر مثل المستقبل أو الحقائق غير المرئية وتستخدم في السياق القرآني كصفة الله تعالى “علام الغيوب”(سورة المائدة 109).
وفي هذا الاطار هل أن مخاض القصيدة هو الذي يحدد أسرارها وخفاياها ويتحدى الواقع بأسطورية القصيدة وما تحمله من أسرار عند ولادتها.يقول الشاعر:
فالمخاض هو “الغلالة “التي تفصل بين الواقع والأسطورة والغيوب
وازاء هذا المفهوم الاسطوري والقدسي للقصيدة وهي تعاني مخاض الولادة يبوح الشاعر بعجزه لتحقيق ولادتها فيقول:
أَنَا الآنَ فِي مَنْطِقَةٍ مُحَرَّمَةٍ
كَيْفَ الوُصُولُ إِلَى مِحْرَابِكِ وَالحَالُ أَنِّي مُقَيَّدٌ بِالحَدِيدْ؟
انه يعود من جديد لاعتبارها قديسة وهو مقيّد بالحديد كناية لما يكبله من تقاليد قديمة لكتابة القصيدة المألوفة.
وفي هذا الاطار من العجز يترجاها باستخدام أساليب انزياحية مختلفة بين الدلالية والتركيبية والايقاعية:
+أسلوب انزياحي تركيبي قائم على الأمر والنهي مُلتمسا أن تحقق له ولادة القصيدة ما يرجوه منها
اكْتُبْـيـنِي إِنْ شِئْتِ نَثْرًا، سَرْدًا، أَوْ أَرْوِنِي كَقِصَّةٍ لِلأَطْفَال
اكْتُـبـيـنِي فَزَّاعَةً لَا تُثْنِيهَا الأَنْوَاءُ وَلا
الرِّيَاحْ..
بِجَسَدٍ مَحْشُوٍّ بِقَصَائِدَ قَدِيمَةٍ، وَعَيْنَيْنِ مِنْ أَزْرَارِ الصَّمْتِ الَّذِي لَا يَنَام
لا تَتْرُكينِي حُطَامًا جَمِيلًا عَلَى أَرْصِفَةِ الوَرَقْ
+ أسلوب انزياحي دلالي:
كَصَبِيٍّ نَسِيَ ثِيَابَهُ عَلَى ضَفَّةِ النَّهْرِ،
اكْتُـبـيـنِي فَزَّاعَةً لَا تُثْنِيهَا الأَنْوَاءُ وَلا
الرِّيَاحْ..
بِجَسَدٍ مَحْشُوٍّ بِقَصَائِدَ قَدِيمَةٍ، وَعَيْنَيْنِ مِنْ أَزْرَارِ الصَّمْتِ الَّذِي لَا يَنَام
لَمْ يَلْتَفِتْ لِلْعُرْيِ الصَّرِيحْ ،
اكْتُـبـيـنِي فَزَّاعَةً لَا تُثْنِيهَا الأَنْوَاءُ وَلا
الرِّيَاحْ
+ أسلوب انزياحي إيقاعي يتمثل في تلك الترديدة التي يرددها:”وأنا أشعر بالخجل / وأنا أشعر بالغثيان..”..
ويختم الشاعر ليعبر عن مطاوعته لها حيث تحول تحجّره(الحديد) الى ليونة (حبر)
وكأني به يساومها ويقايضها لترضى به وعنه لولادتها فيقول:
بَعْدَمَا صَارَ الحَدِيدُ حِبْرًا،
فَأَنَا وَهَبْتُكِ حِبْرِي فَعَدِّلِي وَقْفَتَكِ! كَيْ مِنْ بُؤْرَةِ المَجَازِ
يَتَغَيَّرُ حَالٌ إِلَى حَالْ.
لا تَتْرُكينِي حُطَامًا جَمِيلًا عَلَى أَرْصِفَةِ الوَرَقْ
بَعْدَمَا صَارَ الحَدِيدُ حِبْرًا،
واكثر من ذلك فانه تحول من شعور بالخجل الى شعور بالخشوع فيقول:
وَالخَجَلُ.. صَلَاةً فِي مِحْرَابِكِ..
المُسْتَحِيل.
انه بكل أنواع التحدي حين جعل الحديد يتحول الى لين والخجل الى خشوع يسعى الى ارضائها فهو في موقف الضعف وهي في موقف القوة لان محرابها مستحيل …انه المخاض الذي يحدد ولادة ابداعه الشعري من عدمه..
الخاتمة:
ان الشاعر ومن وجهة نظر ميتاشعرية اكتسب بهذه القصيدة صفة الشاعر الناقد والشاعر المتأمل في واقع للقصيدة هو يرفضه .. انه بذلك يؤسس لقصيدة أسطورية /قصيدة هي بؤرة المجاز/ قصيدة هي وحي تماما كوحي القرآن المقدس. ..
سلم قلم الشاعر حاتم الامام غضباني هذا القلم الناقد والمتأمل في واقع القصيدة ..هو لم يهدم هذا الواقع المألوف الا ليؤسس لواقع متحدّ ولمفهوم جديد للقصيدة.
اني وبصدق أنهيت قراءتي النقدية للقصيدة ونبْعُ الامتاع والمؤانسة لم ينْضُبْ بعْدُ..شكرا له .
بتاريخ :02/ 05/ 2026 المرجع:
* الخطاب الميتاشعري في قصيدة النثر – عبد اللطيف الوراري- 7 جوان 2024
القصيدة : “بؤرة المجاز”
( مَخَاضُ القصيدة)
! =============!
أَشْعُرُ بِالخَجَلِ بصِدْقْ
أَمَامَ “أُودِيبَ” وَهُوَ يُوَاجِهُ لُغْزَ “أَبِي الهَوْلْ”
كُلَّمَا.. سَكَبَتْنِي القَصِيدَةُ حِبْرًا.. عَلَى
الورقْ
أَشْعُرُ بِالخَجَلِ.. !!وأَنَا
كانّني ، سَارِقُ النَّارِ الَّذِي ارْتَجَفَ خَوْفًا مِن “بُرُومِيثِيُوسَ” القَابِعِ فِي مَسَامِ….
القَصِيدَةِ العَظِيم.ْ
وَأَنَا أَفْتَضُّ جَمَالَ رِقَّتِهَا.. وَنُعُومَةُ حَرْفٍ يَخْرُجُ مِنْ حَلْقِي لَا يُؤَدِّي (…)
فتَمَامَ مقاصدها …
بَعِيدَةِ المَنَال…
كُلَّمَا.. حَاوَلْتُ تَقْلِيمَ أَظَافِرِ مَعْنَاهَا بِمِقَصِّ أَبْجَدِيَّتِي، دَمَيْتُ أَصَابِعَ الخَيَالِ
!!!فيّ
فَأَنَا “نَرْجِسُ” الَّذِي لَا يَرَى وَجْهَهُ فِي المَاءِ،
بَلْ يَرَى غَرَقَ الحَقِيقَةِ فِي بُحَيْرَةِ
المَجَازْ
أَشْعُرُ بِالغَثَيَانِ، بِالدَّوَارِ، بِرَعْشَةٍ.. لَا أَعْرِفُ سَبَبَ إِثَارَتِهَا بَيْنَ الجَوَانِحِ
وَالضُّلُوعْ
لِأَنَّنِي أَبْنِي صَرْحًا مِنَ الرِّمَالِ لِيَسْكُنَهُ إِلَهٌ مِنْ رَعْدٍ سَرِيعِ الِانْقِضَاضْ،
الكَلِمَةُ قَدِيمَةٌ كَعُشْبَةِ “جِلْجَامِشَ”، وَحَدِيثٌ هُوَ هَذَا الِانْكِسَارْ.
أشْعُرُ بِشَيْءٍ يَدُكُّ عَظْمِي (…)
هَلْ هِيَ بِدَايَةُ نُبُوَّةٍ؟ أَمْ عُقْمُ إِلْهَامْ ؟
هُنَاكَ شَيْء :
… يَؤُزُّنِي، يُوخِزُنِي، يَدْفَعُنِي لَكِنْ
لَمْ أَجِدْ بَعْدُ الكَلِمَاتْ
إِنَّهُ “سِيزِيفُ” يَصْعَدُ جَبَلَ النُّطْقِ، لِيَسْقُطََ فِي هُوَّةِ الصَّمْتِ الرهيب،
فَالمَخَاضُ هُوَ “الغُلَالَةُ” الَّتِي تَفْصِلُ بَيْنَ الوَاقِعِ وَالأُسْطُورَةِ وَالغُيُوبْ.
أَنَا الآنَ فِي مَنْطِقَةٍ مُحَرَّمَةٍ
كَيْفَ الوُصُولُ إِلَى مِحْرَابِكِ وَالحَالُ أَنِّي مُقَيَّدٌ بِالحَدِيدْ؟
اكْتُبْـيـنِي إِنْ شِئْتِ نَثْرًا، سَرْدًا، أَوْ أَرْوِنِي كَقِصَّةٍ لِلأَطْفَالْ
كَصَبِيٍّ نَسِيَ ثِيَابَهُ عَلَى ضَفَّةِ النَّهْرِ،
لَمْ يَلْتَفِتْ لِلْعُرْيِ الصَّرِيحْ ،
اكْتُـبـيـنِي فَزَّاعَةً لَا تُثْنِيهَا الأَنْوَاءُ وَلا
الرِّيَاحْ…
بِجَسَدٍ مَحْشُوٍّ بِقَصَائِدَ قَدِيمَةٍ، وَعَيْنَيْنِ مِنْ أَزْرَارِ الصَّمْتِ الَّذِي لَا يَنَامْ.
فَأَنَا وَهَبْتُكِ حِبْرِي فَعَدِّلِي وَقْفَتَكِ! كَيْ مِنْ بُؤْرَةِ المَجَازِ
يَتَغَيَّرُ حَالٌ إِلَى حَالْ
لا تَتْرُكينِي حُطَامًا جَمِيلًا عَلَى أَرْصِفَةِ الوَرَقْ
بَعْدَمَا صَارَ الحَدِيدُ حِبْرًا،
وَالخَجَلُ.. صَلَاةً فِي مِحْرَابِكِ
المُسْتَحِيلْ
حاتم الإمام غضباني