
رقصة الموج البصراوية حين يتحول الجسد إلى نص صوفي
رقصة الموج البصراوية: حين يتحوّل الجسد إلى نصّ صوفي… وحين يُختطف ليصير ضجيجًا…دكتورة نور الهدى قرباز جامعة محمد خيضر بسكرة .

ليست كلّ رقصة حركة، وليست كلّ حركة فنًّا. هناك رقصٌ يولد من عمق الروح، من رعشة خفية بين الجسد والمعنى، وهناك رقصٌ آخر يولد من فراغٍ صاخب، من جسدٍ فقد بوصلته فصار يهتزّ بلا دلالة. بين هذين الحدّين، تقف رقصة الموج البصراوية ككائنٍ جماليّ مدهش، ثمّ تُسحب قسرًا إلى ساحات الاستهلاك والابتذال.
رقصة الموج البصراوية ليست مجرد أداء حركي؛ إنها كتابة بالجسد، نصّ صوفيّ تُترجمه الأكتاف كأنها أشرعة، واليدان كمجاديف، والجسد كبحرٍ يتماوج بين الغيب والحضور. في هذه الرقصة، لا يكون الجسد موضوعًا للعرض، بل أداةً للعبور. العقل لا يغيب هنا لأنّه مخمور بالمادة، بل لأنّه منجذب إلى نشوةٍ أعلى، نشوة الانفصال عن الثقل الأرضي. إنها لحظة “فناء” بالمعنى الصوفي، حيث يتخفف الجسد من صلابته ليصير موجًا، ويصير الموج معنى.
هذا البعد الروحي ليس غريبًا عن تراثنا المغاربي. فلو انتقلنا إلى رقصة النوايل في مناطق الجلفة، بوسعادة، سيدي خالد، وأولاد جلال، نجد أن الجسد هناك أيضًا يتكلم بلغة الرمز. اليدان لا تتحركان عبثًا، بل تحاكيان فعل غزل الصوف، وكأن المرأة تعيد كتابة اقتصادها الرمزي داخل الفضاء الاحتفالي. هنا، الرقص ليس استعراضًا، بل هو امتدادٌ للحياة اليومية، تحويلٌ للفعل البسيط إلى طقس جمالي. الجسد يعمل، يحكي، يُؤرّخ.
لكن ماذا حدث حين انتقلنا من هذا العمق الرمزي إلى مشهد الرقص المعاصر، خاصة في بعض أوساط الجيل الجديد المرتبط بثقافة الراي؟ هنا تبدأ الإشكالية.
ظهور أنماط غنائية سطحية مثل “الواي واي” لم يكن مجرد تحوّل موسيقي، بل كان إعلانًا عن انهيار منظومة جمالية كاملة. الجسد الذي كان يُستعمل كوسيط للمعنى، صار يُستعمل كوسيلة للصدمة. الحركة التي كانت تُحاكي البحر أو المغزل، صارت تُحاكي الفراغ. لم يعد هناك رمز، ولا حكاية، ولا ذاكرة. بل هناك إيقاعٌ صاخب، وجسدٌ يُدفع دفعًا إلى حدود الهستيريا.
الأخطر من ذلك أن هذا النمط الجديد ربط الرقص بحالة “الخروج عن الوعي” بمعناه الحرفي: لا نشوة صوفية، بل نشوة كيميائية؛ لا فناء روحي، بل تغييب قسري للعقل. وهنا يتحوّل الرقص من فعل جمالي إلى عرضٍ لفقدان السيطرة، ومن طقس ثقافي إلى مؤشر على أزمة ذوق، بل أزمة وعي.
السؤال الذي يفرض نفسه بحدّة:
كيف انتقلنا من جسدٍ يرمز… إلى جسدٍ يُستهلك؟
من رقصة تُشبه البحر… إلى حركة تُشبه الضجيج؟
الجواب ليس بسيطًا، لكنه يبدأ من انفصال الفن عن جذوره. حين يُقتلع الرقص من سياقه الثقافي، ويفقد علاقته بالذاكرة الجماعية، يصبح عرضةً لكلّ أشكال التشويه. وحين يغيب الوعي الجمالي، يتحوّل الجسد إلى سلعة، والحركة إلى إثارة، والفن إلى فوضى.
ليس المطلوب أن نبقى أسرى الماضي، ولا أن نقدّس التراث بشكل أعمى، لكن المطلوب أن نفهمه قبل أن نستبدله. رقصة الموج البصراوية والنوايل ليستا مجرد فولكلور، بل هما نظامان رمزيان عميقان، يختزلان علاقة الإنسان بجسده، وبالطبيعة، وبالمجتمع. أما ما يُروّج اليوم تحت مسمّى “التحرر الجسدي”، فهو في كثير من الأحيان تحرر من المعنى، لا تحرر نحو المعنى.
في النهاية، المسألة ليست رقصًا… بل رؤية.
إمّا أن يكون الجسد لغةً تقول شيئًا، أو ضجيجًا لا يقول شيئًا.







