
هل يكتب الكاتب التاريخ ام يختطفه ويعيد بيعه؟
هل يكتب الكاتب التاريخ… أم يختطفه ويعيد بيعه؟دمتورة قرباز نور الهدى جامعة محمد خيضر بسكرة
ليس التاريخ بريئًا كما نحب أن نتصوّره، ولا النصوص التي تدّعي روايته أقلّ قسوة منه. فكل كتابة للتاريخ ليست نقلًا لما حدث، بل إعادة اقتحام له، وإعادة تشكيله من داخل اللغة، ثم تقديمه على أنه “الحقيقة الممكنة”. وهنا يبدأ السؤال الذي لا يحتمل التجميل: هل الكاتب يكتب التاريخ فعلًا، أم يسطو عليه بهدوء، ثم يعيده إلى السوق في هيئة سردٍ مُحكم الإقناع؟
الكاتب حين يلامس التاريخ لا يدخل مختبرًا للحقائق، بل يدخل ساحة صراع. لا يوجد نصّ محايد، ولا ذاكرة بلا انحياز، ولا سرد بلا خسائر جانبية. فكل جملة تُكتب تعني ضمنًا حذف جمل أخرى، وكل اختيار لغوي يعني إقصاء احتمال آخر. هكذا يتحوّل التاريخ من وقائع صلبة إلى مادة لينة تُعاد عجنها وفق مزاج الكاتب، وموقعه، ودرجة ولائه—حتى لو كان ولاؤه لذاته فقط.
المشكلة ليست في اختلاف الروايات، بل في لحظة تتحول فيها رواية واحدة إلى “الحقيقة الرسمية” التي تُطرد لصالحها بقية الأصوات. عندها لا يعود الكاتب شاهداً، بل يصبح مُنتجًا للذاكرة على مقاسٍ خاص، يُعيد توزيع الضحايا والجلادين، ويبدّل مواقعهم داخل النص كما يشاء السرد لا كما يشاء الواقع. هنا فقط يصبح التاريخ قابلًا لإعادة التدوير، لا للفهم.
الأخطر من ذلك أن الكتابة لا تشوّه دائمًا عبر الكذب، بل عبر الإقناع. فالنص الجميل قد يكون أكثر خطورة من النص الخاطئ، لأنه يُقنع القارئ بأن ما يقرؤه هو الشكل “الأكثر احتمالًا للحقيقة”، بينما هو في الواقع مجرد نسخة محسّنة من الواقع، منزوعه من صخبه، ومُصفّاة من تناقضاته، ومُعاد ترتيبها بما يخدم منطق الحكاية لا منطق الحدث.
الكاتب هنا لا يواجه التاريخ فقط، بل يُعيد امتلاكه. يختار ماذا يُقال، وماذا يُدفن، وماذا يُلمَّع حتى يصبح صالحًا للاستهلاك الثقافي. وهكذا يتحوّل التاريخ من ذاكرة جماعية إلى ملكية سردية، ومن حدثٍ عاشه الناس إلى قصةٍ يملكها من يكتبها.
ليس هذا اتهامًا للأدب، بل كشفًا لخطورته. فالكتابة ليست بريئة لأنها جميلة، وليست صادقة لأنها مؤثرة. بل هي سلطة ناعمة، قادرة على إعادة تشكيل ما لم يعد موجودًا، وإقناع الأحياء بما لم يعد قابلاً للتصحيح.
في النهاية، يبقى السؤال مفتوحًا على قسوته الأولى:
هل يكتب الكاتب التاريخ كما وقع… أم أنه، ببساطة أكثر إزعاجًا، يعيد اختطافه كل مرة ليعيد بيعه في صيغة جديدة، أكثر قابلية للتصديق، وأقل قدرة على النجاة من النقد؟







