العالقون ولعنة العبور

_العالقون ولعنة العبور _

ما تعيشه تونس اليوم ليس مجرد (ملف هجرة)عابر بل تحوّل تدريجي إلى عقدة أمنية واجتماعية واقتصادية ونفسية متشابكة-جعلت جزءا واسعـا من التونسيين يشعر بأن الدولة تُدفع إلى مواجهة أكبر من قدرتها على الاحتمال.

فحين أسمع
(حدودنا خط أحمر)
فالحديث ليس فقط عن الجغرافيا وإنما يشمل:
**السيادة
**القدرة على التنظيم
**الخوف من الانفلات
مع الإحساس بأن المجتمع بدأ يفقد توازنه تحت ضغط متراكم…

لكن قراءة هذا الوضع تحتاج أيضـا إلى تفكيك هادئ بعيدا عن الانفعال-لأن الملف شديد الحساسية-وأي معالجة تقوم على التعميم قد تتحول إلى ظلم أو إلى وقود إضافي للتوتر…
أولا:
ما يحدث في منطقة الساحل خصوصا في مالي والنيجر وبعض محيطهما -خلق موجات نزوح وهجرة غير نظامية مرتبطة بـــ:
**الانهيار الأمني
**الفقر
**تغيّر شبكات التهريب
**الصراع الجيوسياسي في المنطقة…
وتونس بحكم موقعها الجغرافي-أصبحت نقطة عبور وضغط في آن واحد.
المشكلة أن الدولة التونسية أصلا تعيش:
**أزمة اقتصادية خانقة
**بطالة مرتفعة
**هشاشة في الخدمات
**توترا اجتماعيا
**وتراجعا في الثقة بالمؤسسات.
لذلك يشعر المواطن بأن أي ضغط إضافي—
وإن كان إنسانيا—قد يتحول إلى تهديد مباشر لاستقراره اليومي…
ومن هنا تولّد هذا المزاج الشعبي الحاد:
(لسنا قادرين على تحمّل المزيد)
لكن في المقابل-هناك نقطة دقيقة جـدا:
رفض الفوضى أو المطالبة بتنظيم الحدود لا يعني بالضرورة رفض البشر أو التحريض ضد الأفارقة كمجموعة بشرية-
فالخلط بين الهجرة غير النظامية وبين الكراهية العرقية
خطير جدا على تونس تاريخيا وأخلاقيا وسياسيـا
ونحن شعب مسالم ينبذ العنف ويؤمن بالتعايش السلمي ولكن ليس على حساب الأرض ولا على حساب أمننا
تونس تواجه اليوم معضلة مركبة
كيف تحمي سيادتها دون أن تفقد إنسانيتها؟
وكيف تضبط حدودها دون أن تتحول إلى مساحة خوف دائم أو خطاب صدامي؟
أما فكرة (غلق الحدود نهائيا )فهي تعبّر عن حالة غضب وفقدان ثقة أكثر مما تعبّر عن حل عملي كامل لأن:
الحدود الطويلة يصعب إغلاقها بالكامل وشبكات التهريب تتكيّف سريعا
كما أن الملف مرتبط أيضا بعلاقات إقليمية ودولية مع الجزائر وليبيا والاتحاد الأوروبي-
لذلك الحل الواقعي غالبا يمر عبر:
تشديد الرقابة المنظمة على الحدود
وتفكيك شبكات التهريب
مع تنظيم الإقامة والعمل
وتوزيع الأعباء دوليا
والدعم اقتصاديـا وأمنيـا
أما أخطر ما في الوضع الحالي فهو ليس فقط الضغط العددي-بل الإحساس الشعبي بأن الدولة قد تفقد السيطرة لأن هذا الإحساس وحده كفيل بإنتاج توتر اجتماعي كبير-
وفي النهاية-يبقى التحدي الحقيقي:كيف تدافع تونس عن نفسها دون أن تفقد صورتها كدولة قانون؟
وكيف تحمي مجتمعها دون أن تسقط في خطاب الخوف المطلق؟
وهذا هو الامتحان الأصعب اليوم؟
فائزه بنمسعود
12/5/2026