الموروث الثقافي الأندلسي في الجزائر بين الأفول والانبعاث بقلم وردة عون

الموروث الثقافي الأندلسي في الجزائر
بين الأُفُول والانبعاث
بقلم الأستاذة: وردة/ ع
كان الأندلس في وقت مضى مهد الحضارة العربية الاسلامية ومعقل الفكر والأدب وشتى الفنون ووجهة العلماء والأدباء ومنبر الشعراء والمبدعين،حيث كان في أوج نهضته وسمي  عصره بالعصر الذهبي.
بعد سقوط غرناطة وانهيار الأندلس في أواخر القرن الخامس هاجرسكانها إلى شمال إفريقيا ولجأ المسلمون إلى بلدان المغرب العربي كتونس والجزائر والمغرب.كما استقر معظمهم في المدن الكبرى كالجزائر وتلمسان وقسنطينة وكان لهم تأثيرا واضحا عليها وتجلى هذا التأثير في مظاهر عديدة كالعمران والزخرفة الهندسية،وفنون الموسيقى،والأدب واللباس،والطعام،وامتد هذا التأثير إلى اللغة والعادات والتقاليد وقد أسهم هذا التأثير في ازدهار الحياة الثقافية والفنية والأدبية والعمرانية وانعكس ايجابا على تطور نشاط السكان و نمط عيشهم.
عرف أهل الأندلس بفن العمران والعمارة والطابع المعماري الأصيل بهندسته العربية الاسلامية وزخرفته الجميلة وقد ظهر ذلك من خلال المساجد،والأقواس و البيوت القديمة،والحمامات،والأحياء والأزقة ،والقصور والتي مازالت شاهدة على ذلك التاريخ، كما شمل هذا التأثير الفنون المختلفة التي اشتهرت به الأندلس كفن الزخرفة ،والنقش،وهندسة المباني ، كالزليج،وفن الخياطة والطرز.
كما أدخلوا أنواعا مختلفة من الموسيقى المستوحاة من الفن الأندلسي الأصيل ولعل هذا المظهر أكثرانتشارا ورواجا ،الأمر الذي أثرى التراث الأندلسي في الجزائر كالموشحات،والمالوف، والحوزي والموسيقى الأندلسية، وبعض الآلات الموسيقية المستخدمة في ذلك واشتهرت كل مدينة من المدن المذكورة آنفا بطابع موسيقي معين،الحوزي في العاصمة،المالوف في قسنطينة،والموسيقى الأندلسية والموشحات في تلمسان ولقوة تأثر سكان هذه المدن بهذه الطبوع الموسيقية ، تأسست مدارس لتعليمها،حفاظا على  الإرث الذي نقله إليهم أسلافهم من الأندلس.
ساهم الأندلسيون في تطوير فنون الأدب والشعر ،ونشر العلم والثقافة في الجزائر، كما كان للغة العربية حظا وافرا،حيث عملوا على صونها والحفاظ عليها و إثرائها وإنمائها وتطورها بإدخال مفردات جديدة عليها ،إضافةإلى ذلك وجود بعض الكلمات الأندلسية الدخيلة
على العامية الجزائرية مازالت متداولة في بعض المدن كتلمسان.
أما على مستوى اللباس والطعام ،فقد كانت لمسات التأثير ظاهرة بجلاء، و هذا المظهر من أكثر المظاهر  انتشارا وتجلياته واضحة إلى يومنا هذا، كوجود أصناف عديدة من أطباق وأطعمة تميز بها المطبخ الأندلسي تقدم حاليا ضمن الموائد الجزائرية. أما عن اللباس فقد تميز بفن الطرز الجميل والأنيق المستوحى من البيئة الأندلسية،وأصبح اللباس الأندلسي حاضرا بقوة كموروث ثقافي يجمع بين الأصالة الأندلسية والهوية العربية الاسلامية والذاكرة التاريخية الجزائرية،ولايزال الحفاظ عليه دليل قاطع على الوجود الأندلسي وتأثيراته على الوعي والذاكرة الجمعية،ولعل هذا الدليل كفيل بأن يقطع دابر كل من يتوهم أن أصول اللباس الجزائري نابعة من دول أخرى مثله مثل الزليج والأغنية الأندلسية.
أما على مستوى العادات والتقاليد فقد ظهر ذلك على سلوكات الجزائريين ونشاطهم وحياتهم اليومية وتأثروا بسكان الأندلس وتعايشوا وهذا نتيجة لوحدة الدين واللغة والتاريخ  والتقارب في القيم والمبادئ والأعراف والتقاليد والعادات المستمدة من تعاليم الشريعة الاسلامية.ولايزال هذا المظهر واضحا وجليا من خلال التعاملات اليومية في جميع المجالات الحياتية.
إن الموروث الثقافي الأندلسي المادي أو اللامادي من أهم العناصر المشكلة للهوية الجزائرية ،وشاهدا على فترة زمنية كان لها بالغ الأثر على الحياة الثقافية في الجزائر وشاهدة على التفاعل الحضاري،وامتداد جسور التواصل بين الشعوب وترسيخ الأواصر الاجتماعية والثقافية،والحفاظ على مقومات الهوية العربية
والاسلامية .ورغم مرور آلاف القرون ،لا يزال الحفاظ عليهاقائما ،لكن في  مرحلة تاريخية معينة وفي فترة عصيبة مرت بها الجزائر وخاصة العشرية السوداء التي أثرت سلبا على الحياة بصفة عامة ،فقد لاحظنا أفول نجم تلك المظاهر، وتوارت عن الأعين،واختفى بريق كل شيء،ولكن سرعان مااستجمعت البلاد قواها ونهضت بكل قوة وعزم وثبات ،لتثبت للعالم أن بلد المليون ونصف المليون شهيد لا يستسلم ولاينهزم،واستعادت البلاد إنتعاشها وقوتها ونصرها من جديد، لتعيد المجد والأصالة والعراقة وتساير العصرنة في حدود الممكن والمعقول ، وتبعث في تراثها الحياة من جديد، ويسطع نجم تلك المظاهر وتزداد حضورا وقوةعلى الساحة الثقافية وإعادة الاعتبار لها كاطلاق مهرجانات الاحتفاء وإحياء التراث،وترميم الأحياء والبنايات القديمة ذات الطابع الأندلسي،والمحافظة على المساجد والهندسة العمرانية،
إنشاء معاهد لتعليم الموسيقى وكل أنواع الفنون الأندلسية،وعلوم التاريخ،والهندسة،والعمران ،و تشجيع الحرف والصناعات التقليدية كالنقش ،والزخرف،والطرز.
كما عمدت الدولة إلى مبادرات لإحياء و صون التراث العربي و توثيق التراث الأندلسي رقميا حفاظا عليه من الزوال والاندثار، ليبقى إرثا يتناقله الأجيال عبر العصور، ولتترسخ في أذهانهم أن الأندلسيين
العرب والمسلمين كانوا علماء وعباقرة وأن البشرية اليوم مدينة لهم بما وصلت إليه من حضارة وتقدم وازدهار.
ويبقى التراث الأندلسي جزءا أصيلا لايتجزأ من مكونات التراث الجزائري الثقافي والإنساني، ورافدا من الروافد التي أثرته في جميع المجالات بوصفه ذاكرة حية ،ورمزا من رموز هوية المدن والشعوب،وتناقل الثقاقات وتعايش الحضارات ،ونافذة منفتحة على العمران والتاريخ والثقافة واللغةوالأدب على امتداد قرون طويلة من الزمن.