التغيير السياسي وأزمة الدولة الوطنية بقلم د علي أحمد جديد

التغيير السياسي وأزمة الدولة الوطنية ..
(1)

د.علي أحمد جديد

كان مفهوم التغيير السياسي مَحَطَّ اهتمام الكثيرين من أبناء الشعب السوري الإصلاحيين بمسألة التغيير و الإصلاح الاقتصادي والاجتماعي .
ولأن هدف التغيير السياسي هو تعديل الوَضْع الاجتماعي أو السياسي المُترَدي لوضع أفضل ، فإنه يطرح التساؤل حول مدىٰ أو حجم التغييرات المطلوبة من جهة ، ومدىٰ إيجابية نتائج التغيير من جهة أخرىٰ . ويمكن القول أن الهدف من التغيير سيكون علىٰ حسب الحراك داخل المجتمع والذي قد يكون أساسه اقتصادي أو سياسي أو أيديولوجي فكري ، كما قد يكون سلمياً أو عنيفاً نتيجة لتغييرات داخل الدولة نفسها ، أو تأثراً بعوامل خارجية محيطة حسب التوازنات الدولية والمصالح السياسية والإستراتيجية ، ولأن التغيير المصاحب لمفهوم (الثورة) ، غالباً مايكون ميلاد مرحلة جديدة في الحياة السياسية ، وحاسم النتائج .
وتأسيساً علىٰ ذلك ، يأتي موضوع التغيير السياسي وأزمة بناء الدولة الوطنية ، خاصة ، في ظل وجود مظاهر جديدة علىٰ المجتمع السوري تعيق بناء الدولة الوطنية الواحدة والجامعة . حيث تتجلىٰ مظاهر العجز في بناء الدولة الوطنية بضعف الأجهزة وانهيار المؤسسات والعجز عن فرض السلطة العادلة علىٰ كامل أراضي الدولة ، ثم التعثر في بناء الدولة ومواجهة التحديات الاقتصادية والاجتماعية ، وتكريس الشرعية الوطنية والإقليمية ، فضلاً عن بلورة هوية مشتركة تستقطب الولاء الأسمىٰ لسلطةٍ مُوَحَدَةٍ و مُوَحِدَة . وما يزيد في تعسّر بناء الدولة هو تفاقم حدة المشكلات الاقتصادية والاجتماعية المتمثل في زيادة نسبة البطالة ، والارتفاع المتوالي وغير المضبوط أو المتوقف في الاسعار ، وتدهور مستوى معيشة السكان ، وزيادة حدة التفاوت الطبقي ، وغياب العدالة الاجتماعية ، وذلك مايرفع من منسوب العنف ويعمِّق أزمة بناء الدولة الوطنية .
لقد برز مفهوم التغيير السياسي في سورية مع غياب واجب ارتباطه بالتغيير والإصلاح الاجتماعي والديمقراطية والحَدِّ من العنف المجتمعي والطائفي والإيديولوجي ، ولم تتمكن الثورات رغم كل المبادئ والشعارات التي تأسست عليها في البداية من تحقيق أهدافها التي كانت تعلنها قبل الوصول إلىٰ كرسي السلطة . ولا زالت سلطة اليوم في سورية تفرض تعميق الخلافات الطائفية والمذهبية في ظل وجود تَخبُّط حول القبول بشرعية السلطة الحاكمة ، وصار العنف الطائفي والمذهبي من أبرز مظاهر الفترة الحالية بكل ما له من انعكاسات سلبية علىٰ المجتمع وعلىٰ بناء الدولة الوطنية الواحدة (الجامعة) وتأسيس مستقبل الدولة الديمقراطي والوحدوي في ظل العنف السياسي والاجتماعي الحالي .
وعليه ، فإن مقاربة أزمة الدولة الوطنية بالاستعانة بعدد من المعطيات السوسيولوجية وبعض مفاهيم الأنثروبولوجيا السياسية لفهم التغيّرات السياسية والاجتماعية ، مع افتراض أن الدولة تعيش أزمة حقيقة ولم تتمكن مختلف التغييرات السياسية من نقلها إلىٰ مصاف الدولة الحديثة ، دولة المؤسسات القائمة علىٰ أساس المواطَنة الكاملة وضمان الحقوق والحريات لكل المكوِّنات .
وقد تنوّعت المداخل النظرية لدراسة التغيير السياسي ، حيث اعتبر أغلب علماء السياسة والاجتماع أن التغيير السياسي والاجتماعي هو حتمية تاريخية ، إلا أنهم تفاوتوا في تحديد أسباب وآليات التغيير السياسي ، حيث رأىٰ الإيطالي الماركسي (أنطونيو غرامشي) الربط بين المداخل السوسيوثقافية وبين التغيير السياسي ، في حين ذهب الإيطالي أيضاً ( فيلفريدو باريتو) إلىٰ أن التغيير يرتبط بطبيعة النخب السياسية ، حين يُشير “باريتو” إلىٰ “مبدأ باريتو” (أو قاعدة 80/20) أشهر نظرياته التي تؤكد بأن 80% من الثروة الإيطالية تتحكم بها 20% من الإيطاليين فقط . بينما كان رأي رائد عام الاجتماع الماركسي البريطاني (توماس بورتون بوتومور) بأن التغيير السياسي مرتبط بتطور الأجيال أو اختفاء الأجيال القديمة وصعود أجيال جديدة . بينما تحدث الأمريكي (صامويل هنتنغتون) عن ضرورة التدرج في التغيير السياسي والربط بين التغيير وبين كل من الاستقرار المؤسساتي والتحديث السياسي ، لأنه كلما تطوَّرت المجتمعات كلما أصبحت أكثر تعقيداً ، وإذا لم تترادف عملية التطوير الاجتماعي الذي ينتج هذا الاضطراب مع عملية تَحديثٍ سياسية ومؤسساتية ، وهي العملية التي تنتج مؤسسات سياسية قادرة علىٰ إدارة التطوير ، فإن النتيجة تكون ازدهار العنف .
وتحدث الأسترالي رائد فلسفة العقل(وليام ميتشيل) عن ضرورة تحديد الأغراض أو المكوّنات التي يتناولها التغيير السياسي داخل النظام أو النسق السياسي نفسه ، خاصة ، وأنه غالباً ما يصاحب تغيير النظام السياسي تغييراً بالقِيَم والمؤسسات ، وأيضاً تغييراً اقتصادياً واجتماعياً وثقافياً .
ويُعرِّف (غابريال ألموند) Gabriel A. Almond التغيير السياسي بحصول نظامٍ سياسي ما علىٰ قوة جديدة قادرة علىٰ إحداث تغيرات مرتبطة بالثقافة وبالهيكل السياسي المرتبطين بالنظام السياسي نفسه .
وحسب الموسوعة السياسية فلقد شهدت الكتابات النظرية اتجاهين كبيرين في دراسة التغيير السياسي انطلاقاً من أي تحديث سياسي :
الأول : الاتجاه الليبرالي ، وينطلق من القيم الديمقراطية في المجتمع الليبرالي ، إذ يرىٰ أن الديمقراطية هي المسار الوحيد والنتيجة الطبيعية لأي عملية في التحديث السياسي ، بما يضمن اتساع مركزية السلطة الحكومية ، والتمايز والتخصص للأبنية والوظائف السياسية ، والمشاركة الشعبية التي تستند إلىٰ مبدأ المساواة السياسية بوجه خاص .
الثاني : الاتجاه الماركسي ، وينبع من الفلسفة الماركسية التي ترىٰ أن الطريق الوحيد لعملية التحديث السياسي هو الصراع الطبقي المؤدي إلىٰ الثورة ، ويؤكد الماركسيون علىٰ أنهم لا يسعون إلىٰ التحديث السياسي والاقتصادي وحسب بل إلىٰ تحديث طبيعة الإنسان وإيجاد دور قيادي له في عملية التغيير .
ويقول هيرشمان Hirschman :
“الإصلاح هو تغيير تكبح به سلطة مجموعات تتمتع بامتيازات، وفي المقابل تحسن حالة مجموعات محرومة من حيث الوضع الاقتصادي والمكانة الاجتماعية” .
مايعني بأن يكون الإصلاح تغييراً في اتجاه مساواة اجتماعية أو اقتصادية أو سياسية أكبر ، وتوسيع نطاق المشاركة في المجتمع ونظام الحكم .
لأن مضمون الإصلاح يختلف عن مضمون التغيير السياسي الذي يمكن أن يحدث دون تحقيق إصلاحات ، بحيث يختلف مفهوم الإصلاح السياسي بين نظام سياسي وآخر ، وبين فترة زمنية وأخرىٰ ، إذْ يمكن الحديث عن إصلاح القيادات والمؤسسات السياسية ، كما يمكن الحديث عن إصلاح الثقافة السياسية في مجملها . لأنن مفهوم الإصلاح السياسي لا يزال حاضراً بقوة ويكتسب زخماً إعلامياً كبيراً . ما يعني أن مبدأ الإصلاح السياسي ضرورة ومطلب مُلِحٌّ في ظل وجود العوائق الحقيقية .
أما التغييرات محدودة النطاق ومعتدلة السرعة في القيادات السياسية وفي المؤسسات السياسية فتوصف بأنها إصلاحات . لكن ليست كل التغييرات المعتدلة إصلاحات .
إن التغيير يتطلب شروطاً محددة تكسبه هذه الصفة ومن بينها أن يكون هناك خلل قائم يحتاج إلىٰ المعالجة والتصحيح ، وأن يستمر مدة طويلة في الزمن لأن التغييرات السريعة والبسيطة تنتهي إلىٰ زوال في أغلب الأحيان .
والتغيير عند ابن خلدون هو التغيير الاجتماعي عامة ، والسياسي خاصة ويرتبط بدائرة تبدأ بالميلاد وتسير باتجاه النضج لتنتهي بالشيخوخة . وأن التاريخ البشري يسير وفق خطة محددة تحاكي حياة الإنسان ، فتمر الدولة مما يمر به الانسان من ولادة ونضج ووفاة . وكذلك مسيرة المجتمعات ، فهي تبدأ من نقطة وتسير في اتجاه دائري لتنتهي في النقطة التي كانت قد بدأت منها . وقد حدد ثلاث مراحل لدراسة المجتمعات الإنسانية :
“مرحلة البداوة ، مرحلة الملك .. ومرحلة الترف والنعيم” .
لأن مجتمع الترف والنعيم لابد وأن يصل إلىٰ مرحلة النضج السياسي وانفراد الحاكم بالسلطة ، ثم الركون إلىٰ الدعة . لأن الحضارة عادة ما تُحدِث مناخاً ملائماً للسلبية والخمول وتفتح مجالات مناسبة للفساد ، ثم الانهيار الاقتصادي والضعف الديني فتصبح بمثابة نهاية العمران البشري .

ـ يتبع ـ
ـ لندن 2026 ـ