
نظرية الفوضى بقلم د علي أحمد جديد
نظريـة الـفـوضىٰ (Chaos Theory) …
د.عـلـي أحـمــد جــديــد
لأن التنظيم والنظام هما الأساس في الكون وأصل الحياة ، قـال تـعـالـىٰ في كتابه العزيز :
” لَا الشَّمْسُ يَنبَغِي لَهَا أَن تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ ۚ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ” .
وذلك يعني أن النظام هو أساس التكوين الكوني وأساس كل شيء يدور حولنا ، بدءاً من تكوين أجسادنا الفيزيولوجي (آلية الأكل والهضم والسمع والبصر وكامل الحواس) التي تتضح للمتأمل بنظامها الدقيق ، بحيث يتم اعتبار أي خلل فيها فوضىٰ ومرضاً يستوجب علاجه ، ووصولاً إلىٰ الكون المحيط بنا .
لأنَّ ما يميِّز نظرية “الـفـوضىٰ” في الإدارة عن غيرها من النظريات ، هو أنَّ نظرية “الفوضىٰ” لا تعترف بمبدأ المسؤولية والمحاسبة ، وإنما تَكِل ذلك إلىٰ ضمائر الناس وسرائرهم ، حيث تتحاشىٰ تراكمَ الكثير من نظريات التعلّم التي تعمل علىٰ تفسير السلوكيات التي تتخذّها الأشياء من حولنا ، سعياً للوصول إلىٰ العلاقة بين هذه الأشياء وبين مسببّاتها .
تاريخياً ، تتالت النظريات العلميّة بعضها فوق بعض حتىٰ نشأت (نظرية الفوضىٰ المُنَظَّمَة Chaos Theory) التي أطلقها (إدوارد لورينز Edward Lorenz) في العام 1960م . وهي من النظريات القائمة علىٰ تجميل ماجاء في “بروتوكولات حكماء صهيون” المعروفة ، وانتشرت مقولة (الفوضىٰ الخَلّاقَة) إثرَ العدوان الصهيوني علىٰ لبنان عام 2006 حين أعلنت (كوندوليزا رايس) وزيرة خارجية المحافظين الجدد الأمريكيين في عهد الرئيس الأمريكي الأسبق (جورج دبليو بوش ) إطلاق ” الفوضىٰ الخلّاقَة ” من قلب العاصمة بيروت لتغيير العالم حسب ما يتناسب مع رؤية الإدارة الأمريكية ، ولاقت تلك النظرية اهتماماً واسعاً بسبب تفسيرها الكثير من الأمور التي توّقفت النظريات العلمية السابقة عن تفسيرها ، حيث لم تجد مايبرر حدوثها . ولتزيل الكثير من الغموض حولها ، حتىٰ أصبح من الممكن إيجاد الصّلة الرابطة الوثيقة والخَفية بين الأمور المتباينة في العالم مهما كانت المسافة الفاصلة بينها .
تُقرِّر نظرية ” الفوضىٰ المُنَظَّمَة ” أن الأمور التي قد نراها مُختلِطة وغير مترابطة تكون مُنظّمة في أساس ظهورها ، وتسير حسب نسق محّدد بعكس ما تبدو عليه ، لأن الحركات التي تبدو عشوائية هي في الواقع حركات تتبع مسارات وخطوطاً خفية وغير مرئية تتكرر وتتداخل بنسق معين يبدو غير متماثل ، ولكنه في الواقع منظّم جداً و كأنها ـ الأمور ـ تعود إلىٰ نقطة جذب محدّدة بعد أن تنطلق منها . وتحاول نظرية “الفوضى المُنَظَّمَة” الوصول إلىٰ النظام الخفيّ غير الظاهر فيما يبدو عشوائياً من الظواهر و الأحداث ، أو السلوكيات و الحركات ، ووضع قواعد دراسته للاستفادة من تطبيقاته . لأنها ، وإن كان بها جانب فلسفي ، إلا أن الجانب الآخر من عِلم ” الفوضىٰ المُنَظَّمَة ” يهتمّ بإيجاد أنماط محددة من الترتيب والتوجيه غير المباشر ، والمباشَر في أغلب الأحيان ، داخل مايبدو من الفوضىٰ الظاهرة .
وباستعراض البعض من (بروتوكولات حكماء صهيون ) نجد أن تلك البروتوكولات كانت تنقسم إلىٰ 24 بروتوكولاً ، كان أهمها ما يتعلق بـ(الفوضىٰ) تمهيداً للسيطرة اليهودية على العالم ، وحسب وصايا (التلمود المُقدَّس) ، كانتقام طبيعي من معتنقي الديانة اليهودية لِما تعرّضت له “بنو إسرائيل” من محنة السبي في “بابل نبوخذنصّر” :
* البروتوكول الأول : بث الفوضىٰ في الحركات التحرّريّة والثورات والحروب .
* البروتوكول الثاني : السيطرة علىٰ الحكم والتعليم والصحافة .
* البروتوكول الثالث : إسقاط أنظمة الحكم وضرب استقرار المجتمعات .
* البروتوكول الرابع : تدمير الديانات والسيطرة علىٰ التجارة العالمية .
* البروتوكول الخامس : تفريغ السياسة من أهدافها البنّاءة .
* البروتوكول السادس : السيطرة علىٰ الصناعة والزراعة .
* البروتوكول السابع : إشعال الحروب وإشغال العالم .
* البروتوكول الثامن : تفريغ القوانين من مضامينها .
* البروتوكول التاسع : تدمير الأخلاق ونشر العملاء .
* البروتوكول العاشر : وضع الدساتير المهلهلة .
* البروتوكول الحادي عشر : السيطرة العالمية .
* البروتوكول الثاني عشر : السيطرة على النشر .
* البروتوكول الثالث عشر : تغييب الوعي الجماهيري في التغطية الإعلامية للمباريات الرياضية والمهرجانات والحفلات .
* البروتوكول الرابع عشر : نشر الجريمة والإلحاد والأدب المَرَضي .
* البروتوكول الخامس عشر : الانقلابات العسكرية ونشر الخلايا السرّيّة .
* البروتوكول السادس عشر : إفساد التعليم وإذلال المُعلِّم بإفقاره ووضعه في أدنىٰ المراتب الاجتماعية .
* البروتوكول السابع عشر : تحطيم السلطات الدينيّة واحتقار رموز الديانات السماوية بدءاً من الأنبياء والكتب السماوية والتشكيك في حقيقتها .
* البروتوكول التاسع عشر : إشاعة التمرّد علىٰ العائلة والمجتمع بدعوىٰ ممارسة الحرية الشخصية .
وكان أهم ما يميٌّز نظرية (الفوضىٰ) في الإدارة علىٰ غيرها من نظريات الإدارة ـ كما تَقدَّم ـ هو أنها لا تعترف أصلاً بمبدأ المسؤولية أو المحاسبة ، وإنما يُترَك ذلك إلىٰ ضمائر الناس وسرائرهم ، والعمل علىٰ تحاشي البحث عن محاسبة المقصرين ، إلا من يقع في الجرم المشهود . بل إن إيقاع المسؤولية في ظل هذه النظرية هو أمر طويل المسار وكثير الأخطار ، لأن الحكمة تقتضي حسب نظرية (الفوضىٰ) ، قبول الحال علىٰ مساوئه والإحجام عن محاولة تصحيحه ، لأن تكلفة التصحيح ستكون أكبر بكثير من تكلفة قبول الوضع الراهن .
إن أنظمة الكون معقّدة ومتداخلة ، وفهمها يستوجب تحليلها إلىٰ عواملها المختلفة ومعرفة تأثير كل منها علىٰ غيره من العوامل الأخرىٰ ، لأن بعض الأمور التي تبدو بسيطة وغير مهمّة ، أو قد تكون تافهة لا تثير أي اهتمام ، إلا أنها تؤثّر تأثيراً بالغاً في جانب آخر بعيد عن الإنتباه ، وهو ما توضِّحه نظرية “أثر الفراشة Butterfly Effect” المُستَنبَطَة من نظرية “الفوضىٰ المنَظَّمَة” ، حيث تقول :
“إن رَفَّةَ جناح الفراشة في مكان ما قد تُسبب إعصاراً في مكان آخر من العالم حتىٰ ولو بعد وقتٍ غير قصير” .
وبذلك تبقىٰ أهمية تغييب إمكانية التنبؤ بالأحداث الطبيعية الكبيرة ، التي يتم التخطيط لها كي تنتج عن أسباب تافهة وصغيرة ، كرفيف جناحي فراشة .
وكانت حادثة اختطاف الرئيس الفنزويلي (مادورو) من أحدث ماتم تطبيقه في نظرية “أثر الفراشة” والتي أحدثت ذلك الإعصار في 28شباط/فبراير في الحرب الصهـ.هيوأمر.يكـية علىٰ ايـ.ـران .
ومهما يبدو الأمر مبالَغاً فيه ، لكنه منطقي في نتائجه التي بدأت تتضح رؤيتها للعالم ، لأن التيارات الخفيفة تحت سطح البحر مهما كانت علىٰ عمق كبير أو أي إنشقاق لا يذكر في قشرة الأرض ، فلابد وأن تسبِّب فيضانات شديدة وكوارث تدميرية مثل كارثة التسونامي المعروفة عبر انتقال الاهتزازات وتضاعف حجمها وتسلسل انتقالها من مكان إلىٰ آخر قد يبدو بمأمنٍ في ظاهره .
ونظرية “الفوضىٰ المُنَظَّمَة” توضّح العلاقة التوافقية في الاتجاه الواحد ، وتؤكّد تسلسلاً لأحداث تُنتِج أثراً مختلفاً في الزمان وفي المكان ، وكذلك في الصِفة والنوعية ، كما في الكمية والأبعاد عن الحدث الأساسي الأول . لأن الأحداث الصغيرة من شأنها أن تُنتِجَ كوارثَ كبيرةً وغير متوقّعة ، لأن الحرائق الكبيرة تعود في أسبابها الأساسية إلىٰ مُستَصغِر الشرر . ويُمكن للإنسان التفكير في الكثير من الأمور الصغيرة والتافهة التي يمكن أن تُغيِّر في حياته لو اختلف شيء من أحداث حياته في فترة منها مهما تَصوَّر النتائج التي كان من الممكن أن تنتج لو اختلفت الشروط الابتدائية . وما كشفه خبراء أمريكيون في جامعة “أوهايو” عن تغيُّرات مناخية طرأت علىٰ اليَمن ودول الجزيرة في أعقاب زلزال “تسونامي” إِثْرَ تسبُّب الأخير في جعل المنطقة تحت تأثير الرِّياح الموسمية القادمة من المحيط الهندي ، والمحملة بالأمطار الغزيرة علىٰ غرار ما كانت عليه قبل حوالي 5000 عاماً مضت . فالتجأ العلماءُ لاستخدام النظريَّات في دراسة الرَّابط بين تلك الظَّواهر للاستفادة منها في التنبُّؤ بالتغيرات الجوية ، أو في تفادي الكوارث والخسائر الناجمة عن الفيضانات بدراسة العَلاقة بين المسبِّب “المؤثر الابتدائي” وبين النتيجة “الأثر النهائي” . وإن ما يبدو بالمجمل غير مترابط ، هو في الأصل مُترابط جدّاً ومتسلسل الأحداث بالتأكيد ، لأن الإستغراق في بحث التفاصيل هو ما يُظهر هذا الترابط .
ويُحاول الاستعمار الجديد الاستفادة من تطبيق هذا التأثير لدراسة التغيُّرات في اقتصاديات الأسواق ، ومعرفة الأسباب التي يُمكن أن تؤثر بشكل غير مباشر فيها . فارتفاعُ الأَسْهُم المالية ، مثلاً ، أو تدنّيها قد تكون وراءه أسبابٌ أخرىٰ خفيَّة غير تلك الأسباب الظاهرة . وإن أهم خصائص “الفوضىٰ المُنَظَّمَة” تكمن في :
“البيروقراطية الموغلة في التنظير والبعيدة عن المراجعة والنظر في أيٍّ من احتمالاتِ بُعدِها عن الواقع” . وهي التي باتت متغلغلة في الأجهزة العامة لعدد كبير من البلدان النامية ، كما أنها أحد الأسباب الرئيسة لعجز البلدان النامية عن اللحاق بالبلدان المتقدمة ، لأنها تظن من خلال تلك التنظيمات الوهمية أن الأمور علىٰ خير ما يرام . ولا يعدم المسوقون لنماذجها إمكانات إغراق أصحاب القرار بالوهم الذي يسوِّقونه بين شرائح شعوبهم ، ذلك لأن “الفوضى المنَظَّمَة أو الخلاقة” إنما هي نموذج تنظيمي قائم علىٰ خلط الأوراق فيما بينها ، للنظر إليها في بوتقة واحدة ثم الخروج بوصفة من تلك (الفوضىٰ) إلىٰ خلق طريق يرضي الناس باتباعه بعد شعورهم بالضياع في تلك (الفوضىٰ) السابقة .
وإن المؤسسات العامة التي توالت عليها الأعباء التراكمية من تجارب مختلفة ذات مصادر متعددة وتطبيقات غير مدروسة ومتباينة بحاجة إلىٰ مثل هذا النوع من النماذج ، وعلى وجه الخصوص تلك المؤسسات ذات الاتصال المباشر بحياة الناس كالمؤسسات الخدمية الكبرى .
ـ باريس 2026 ـ
===========
من مصادر البحث :
* شريفة الغامدي : (Chaos Theory نظرية الفوضى المنظمة) .
عبد الرحمن بن أحمد : (الإدارة ونظرية الفوضى المنظمة) . مجلة التنمية الإدارية . العدد 130/صَفر 1437هـ .
فالح العجمي : (الفوضى المنظمة والفوضى الخلّاقة) . جريدة اليوم . أيار/مايو 2014 العدد 14940.





