محمد بن زيد الكامل الرجل الذي يسكنه أكثر من العمر بقلم د نور الهدى قرباز

د.نور الهدى قرباز جامعة بسكرة .محمد بن زيد الكامل… الرجل الذي يسكنه أكثر من عمر

هناك أشخاص حين نكتب عنهم نشعر أن الكلمات أضيق من أن تتسع لهم، وأن اللغة نفسها تقف حائرة أمام تعدد وجوههم الإنسانية والإبداعية. ومحمد بن زيد الكامل واحد من هؤلاء الذين لا يمكن وضعهم في خانة واحدة، لأنهم أكبر من التصنيف وأرحب من الحدود.
فهو ليس مجرد كاتب، وليس مجرد مسرحي، وليس مجرد شاعر أو قاص أو ناقد أو أستاذ تربية بدنية، بل هو حالة ثقافية كاملة، ورحلة طويلة من العطاء والصبر والإيمان بالكلمة.
في زمن أصبح فيه كثيرون يبحثون عن الأضواء، كان هو يبحث عن الإنسان.
وفي زمن كثرت فيه المنابر وضاق فيه الصدر بالاختلاف، كان يفتح قلبه للجميع.

وحين تولى قيادة اتحاد الكتاب ببسكرة، لم يتعامل مع المنصب باعتباره سلطة أو وجاهة، بل اعتبره مسؤولية أخلاقية وثقافية. ففتح أبواب الاتحاد أمام الجميع؛ أمام الدكتور والباحث، وأمام الشاعر الشاب الذي ما زال يبحث عن صوته الأول، وأمام القاص الذي يحمل مخطوطته المرتجفة بين يديه، وأمام كل من آمن أن للكلمة مكانًا في هذه الحياة.
لم يكن يسأل الناس عن أعمارهم ولا عن ألقابهم ولا عن انتماءاتهم، بل كان يسأل عن موهبتهم وحلمهم وما يستطيع أن يقدمه لهم.
ولهذا استطاع أن يجمع أطيافًا مختلفة من المبدعين والمثقفين تحت سقف واحد، وأن يحول الاختلاف إلى تكامل، والتنوع إلى ثراء، والتعدد إلى قوة.
كان يؤمن أن الثقافة لا تُبنى بالإقصاء، بل بالمحبة.
ولا تزدهر بالخصومات، بل بالحوار.
ولا تنمو بالأنانية، بل بالإيمان بالآخر.
ولعل أجمل ما فيه أنه لم يكن يتحدث عن التكامل فحسب، بل كان يجسده في حياته كلها.
ففي داخله يعيش الكاتب إلى جانب الرياضي.
ويجلس الشاعر إلى جوار المسرحي.
ويصافح الناقد القاص.
ويتجاور الفكر مع الحركة.

حتى

فهو أستاذ تربية بدنية يعرف قيمة الجسد السليم، لكنه في الوقت نفسه كاتب يعرف أن الأرواح أيضًا تحتاج إلى تدريب وإلى رياضة من نوع آخر؛ رياضة الحلم، ورياضة الصبر، ورياضة الإبداع.
أما مطبعة بن زيد فليست مجرد مؤسسة للطباعة، بل حكاية أخرى من حكايات العطاء.
كم من كتاب رأى النور عبرها.
وكم من اسم خرج من العتمة إلى الضوء.
وكم من موهبة كانت ستظل حبيسة الأدراج لولا أن هذا الرجل آمن بها ومنحها فرصة الظهور.
لقد كانت المطبعة بالنسبة لكثير من الكتاب الشباب نافذتهم الأولى نحو القراء، وكانت بالنسبة لكتاب بسكرة بيتًا ثقافيًا يحتضن أحلامهم ويمنحها فرصة الحياة.
ولم يقتصر عطاؤه على أبناء منطقته فقط، بل امتد إلى كتاب ومبدعين من خارج الجزائر، ومن تونس وغيرها، لأن الثقافة في نظره لم تكن تعرف الحدود، وكانت الكلمة عنده جواز سفر يكفي للوصول إلى القلوب.
وفي أعماله الإبداعية تتجلى حساسية الإنسان الذي يرى ما لا يراه الآخرون.
ففي مجموعته القصصية «قلنا اهبطوا منها جميعًا» لم يكتب عن أحداث عابرة، بل كتب عن زمن عربي كامل كان يتقلب بين الأمل والانكسار. كتب عن الحلم حين يولد، وعن الخيبة حين تكبر، وعن الإنسان العربي الذي كان يركض خلف شمس الحرية ويحمل في قلبه ألف سؤال.
أما روايته «همس الهمس» فكانت شاهدًا آخر على قدرة صاحبها على الإنصات لما لا يُقال، وعلى التقاط التفاصيل الصغيرة التي تصنع المعنى الكبير.
لكن خلف هذا المسار الحافل بالعطاء، يختبئ وجع عميق لا يعرفه إلا الذين جربوا الفقد الحقيقي.
لقد كان محمد بن زيد الكامل كلما التقيته رأيت في ملامحه شيئًا من الأطفال.
تلك البراءة التي لا تفسدها الأيام.
وتلك الدهشة التي لا يقتلها العمر.
وتلك الابتسامة التي تجعل القلب يطمئن قبل أن يتكلم صاحبها.

ما

كان يحمل في عينيه حكاية طفل لم يغادره أبدًا.
لكن ذلك الطفل تلقى ضربة موجعة يوم رحلت أمه.
ومنذ ذلك اليوم بدا وكأن جزءًا من روحه قد رحل معها.
ليس لأن الموت أخذ إنسانة يحبها فقط، بل لأنه أخذ المصدر الأول للحب.
أخذ الحضن الذي لا يشبهه حضن.
وأخذ الدعاء الذي كان يسبقه إلى السماء.
وأخذ القلب الذي كان يطمئن إليه كلما ضاقت الدنيا.
كانت الأم بالنسبة إليه أكثر من أم.
كانت وطنًا كاملًا.
وكانت ذاكرة كاملة.
وكانت دفئًا كاملًا.
وكانت حياة كاملة.
وحين رحلت، لم يفقد شخصًا فقط، بل فقد زمنًا بأكمله.
فبعض الأمهات لا يرحلن وحدهن، بل تأخذ كل واحدة منهن معها جزءًا من عمر ابنها.
ولهذا صار الحزن يسكن بعض ملامحه.
وصارت عيناه تخفيان ما لا تقوله الكلمات.
وصار القلب الذي كان يركض نحو الحياة يتقدم بخطوات أبطأ.
كأن الزمن باغته فجأة وأخبره أن أجمل الأشياء لا تبقى.
ورغم ذلك لم يسقط.
ظل يكتب.
وظل يقرأ.
وظل يطبع الكتب.
وظل يجمع الناس حول الثقافة.
وظل يزرع الأمل في الآخرين، بينما كان يخفي جرحه الكبير في أعماقه.
وهنا تكمن عظمة الإنسان.
ليس في أنه لا يحزن.
بل في أنه يواصل الطريق رغم الحزن.
وليس في أنه لا ينكسر.
بل في أنه يجمع شظايا قلبه ويمنح الآخرين نورًا.
إن الحديث عن محمد بن زيد الكامل ليس حديثًا عن كاتب أو شاعر أو مسرحي فحسب، بل هو حديث عن إنسان آمن بالكلمة وخدم الثقافة وفتح الأبواب للمواهب واحتضن المبدعين، ثم دفع من قلبه ثمنًا باهظًا حين فقد أمه التي كانت رفيقة العمر وملهمة الحلم وسيدة الدعاء.
ولعل أجمل وفاء يمكن أن نقدمه لها اليوم، أن نقول إن أثرها ما زال حيًا في ابنها.
فكل كتاب يطبع.
وكل نص يكتب.
وكل موهبة يساندها.
وكل حلم يساعد على ولادته.
إنما يحمل شيئًا من تلك الأم التي ربّت هذا القلب على المحبة، وهذا العقل على العطاء، وهذه الروح على الوفاء.
رحم الله الأم التي صنعت هذا الإنسان، وأطال الله عمر ابنها في خدمة الثقافة والإبداع، لأن بعض الرجال لا يعيشون لأنفسهم فقط، بل يعيشون في ذاكرة مدينة كاملة، وفي محبة أجيال كاملة، وفي قلوب كل الذين عرفوا معنى النبل حين رأوه متجسدًا في إنسان.