
قراءة نقدية في القصة القصيرة جدا(المقاس)للقاصة الهام عيسى |جليلة المازني
ناقدة وإعلامية |تونسية
قراءة نقدية : ” الإنسان وأكذوبة الثنائيات”
التفريغ النصي: “الإنسان بين وجه مُقنع ووجه بلا ملامح”
أسندت الكاتبة إلهام عيسى عنوانا للققجية “المقاس” وهو اسم معرفة لا يحتمل التعدد بل هو مقاس واحد.
استهلت الكاتبة الققجية بنبرة مشحونة بالغضب والسخرية والإهانة (رفع سقف الشتائم).
ان هذا الاستهلال يشي بتصنيف اجتماعي قائم على ثنائية الآمر والمأمور فهناك شاتم ومشتوم وهناك فاعل ومفعول به.
إن هذا الفاعل المتهكم والغاضب والمُهين قد ألْبَسَ المجموعة “ثيابا على مقاس ظنونه”
ان الكاتبة قد نجحت بامتياز في جعل هذه المجموعة خاضعة ومطيعة ومحكوم فيها باستخدام:
– فعل مزيد على وزن أفعل (ألبس) والذي يفيد المطاوعة والتطويع.
– الفعل “ألبس” بما يفيده اللباس من احتواء كامل للجسد وبالتالي هذا الفاعل قد احتوى هذه المجموعة وطوّعها “لمقاس ظنونه”.
– مقاس ظنونه والمقاس عادة ما يعبر عن أبعاد وحجم جسم بشري أو قطعة يراد قياسها وكل جسد له مقاس خاص به إلا أن الكاتبة قد ربطت هذا المقاس بظنون الفاعل دون اعتبار لرأي المفعول بهم.
انها صورة كاريكاتورية تجرّدُ هذه المجموعة الخاضعة من كل اختيار وكل حرية.
– لقد استخدمت الكاتبة كناية فكنّتْ عن تعليمات أو أوامر هذا الفاعل ب “ثيابا” لأنه يريد من تعليماته ان تكون لباسا على مقاس ظنونه يلبسونها إكراها ودون تنفس (كانت جاهليته تدشن نفسها بالإكراه وتدور بمخالبها في الوجوه).
ان هذا الفاعل قد جعل هذه المجموعة بين مطرقة التعليمات وسندان المخالب المدمية.
وتختم الكاتبة بقفلة مدهشة حيث يستوي الفاعل مع المفعول بهم.
فلئن كان الجميع (المفعول بهم) مُقَنّعا بالثياب التي ألبسهم إياها الفاعل بجاهليته فالفاعل بقي وجهه بلا ملامح.
وفي هذا الإطار فالنص مطبوع بسمة الإنسان الذي توزع بين الوجه المقنع والوجه بلا ملامح ممّا جعل النص موسوما بسمة التأمل في مصير الإنسان.
وهنا قد يتدخل المتلقي متأملا متسائلا:
– هل أن الوجه المُقنع يختلف عن الوجه بلا ملامح؟
– هل ان الوجهين هما وجهان لعملة واحدة؟
هل أن الوجهين كلاهما مزيف؟
هل أن كُلاّ من الوجهين قد فقد وجهه الحقيقي وبالتالي فقدَ هويته ؟
1- ثنائية الوجه المقنع والوجه بلا ملامح (1):
تمثل ثنائية الوجه المقنع والوجه بلا ملامح صراعا رمزيا وفلسفيا عميقا بين الهوية الظاهرة المزيفة والحقيقة الغائبة حيث يعبر القناع عن إخفاء الوجه الحقيقي وتقمص أدوار اجتماعية مفروضة عنه.
اما الوجه بلا ملامح فيرمز الى التلاشي والضياع وفقدان الذات او التحرر التام من القيود البشرية..
انه الغياب الوجودي الذي يعبر عن الفراغ الداخلي وانعدام التواصل الانساني الحقيقي.
والوجهان يتقاطعان في التزييف المتبادل:
– الوجه المقنع يمنح ملامح مزيفة لشيء غير حقيقي.
– الوجه بلا ملامح يلغي الملامح أصلا.
كلاهما ينفيان” الوجه الحقيقي” الطبيعي.
وفي هذا الإطار قد يتساءل القارئ متأمّلا:
– هل أن مصير الانسان واحد؟
-هل أن الانسان ينتهي بفقدان هويته الحقيقة؟
– هل يستوي الحاكم والمحكوم في فقدان الهوية؟
– هل يستوي الآمر والمأمور في المصير الذي يسلب الانسان انسانيته؟
– هل يستوي الراعي مع القطيع في المصير؟
– هل يستوي الفاعل والمفعول به لتسود العبثية وهشاشة الانسان؟
– هل هي هشاشة الانسان التي يتحدث عنها فرانز كافكا في رواية ” المسخ ” المتمثلة في الانهيار المفاجئ للثوابت حيث يتحول العالم المألوف الى كابوس مُرعب بين عشية وضحاها مما يثبت ضآلة الانسان وهشاشة توازنه النفسي والجسدي والوجودي؟
وبذلك يتحد مصير طرفي الثنائية في فقدان الهوية.
– هل هي عبثية الوجود التي يتحدث عنها “ألباركامو” والمتمثلة في سقوط اليقين المتمثل في:
– انتهاء الأفكار القديمة التي رتبت العالم الى خانات مريحة وواضحة .
– اللامبالاة: ادراك ان الطبيعة والكون لا يحفلان بالآلام ولا بالآمال الإنسانية:
ان الطبيعة والكون لا يهتمان بآلام المحكوم فيهم (الذين ألبسهم الحاكم فيهم أقنعة على مقاس ظنونه) ولا بآمال الحاكم الذي فقد هويته بفقدان ملامحه.
– هل هي سقوط الثنائيات الوهمية لتصبح الثنائيات أكذوبة من خلال:
تلاشي الحدود حين يستوي المعنى واللامعنى والمقدس والتافه والحاكم والمحكوم والراعي والقطيع والفاعل والمفعول به
2- أكذوبة الثنائيات (4):
وفي هذا الاطار فان الثنائيات هي أكذوبة من صُنْع الانسان صاغها الفكر البشري لتنظيم فوضى الكون لكن تحويلها الى حقائق مطلقة يعوق وعي الانسان بمصيره المعقد والحر.
أ- طبيعة الثنائيات كأداة لا كحقيقة من خلال:
– التبسيط المفرط: تلجأ العقول لتخفيف عبء التعقيد الى تقسيم العالم الى أقطاب متصارعة (القوي والضعيف)
.بيْد أن هذه الحقيقة في ققجية “المقاس” قد تلاشت ليتحد مصير القوي مع مصير الضعيف.
– خدمة السلطة: تُوظف الثنائيات غالبا لتكريس الهيمنة وتصنيف البشر الى حاكم ومحكوم.
والققجية سوّت بين الحاكم والمحكوم في مصير مزيف مشترك.
– الوهم المطلق: غياب الحدود الفاصلة الحقيقية بين المتضادات يجعل التصنيف الثنائي مجرد وهم لغوي وثقافي فيستوي الوجه المقنع مع الوجه بلا ملامح في فقدان الهوية.
ب- انعكاس أكذوبة الثنائيات على مصير الانسان من خلال:
– صناعة القطيع: تقيد حرية الفرد باختيار مسبق الصنع داخل ثنائية من الطاعة والرفض.
– تعطيل التطور الذاتي: الركون للثنائيات هو هروب نحو اليقين المزيف.
وهذا اليقين المزيف هو الذي وحّد مصير الحاكم والمحكوم وجعل من ثنائية القوي والضعيف أكذوبة حين اتحدا في فقدان الهوية.
وفي هذا الإطاركأني بالكاتبة تنشد تحرّرا من وهم الثنائيات وزيفها بالتوقف عن إلباس الكون ثوبا هندسيا لا يرتديه وتحويل الحياة الى ممارسة حرة ومكتفية بذاتها.
سلم قلم الكاتبة الهام عيسى هذا القلم المتأمل في مصير الانسان و المسكون بوجع الانسان الهشّ ومصيره العبثي داعمة أكذوبة الثنائيات, وهي بذلك ارتقت بالققجية “المقاس” نحو التأمّل الوجودي لتعانق هشاشة الانسان عند كافكا وعبثية الوحود عند كامو.
المراجع:
(1) الوجه والقناع ..ملامح الهوية..بين الحقيقة والتخفي- مجلة الشبكة..01 جويلية 2026
(2) عباس موسى الكعبي- هشاشة العلاقاتا البشرية لدى كافكا- 08 أكتوبر 2025
(3) عبثية – ويكيبيديا.
(4) د. محمد بهضوض – عصر ما بعد الحقيقة- مركز خطوة للتوثيق والدراسات- 18 مارس 2026
المقاس ق ق ج
======
الهام عيسى.
==============
رفع سقف الشتائم، ألبس الجميع ثيابًا على مقاس ظنونه.
كانت جاهليته تدشّن نفسها بالإكراه، وتدور بمخالبها في الوجوه.
وحين فرغ من توزيع الأقنعة، بقي وجهه الوحيد بلا ملامح.








