حين يصبح صندوق الاقتراع مرٱة لتخريب العقول | د نور الهدى قرباز الجزائر

-د.نور الهدى قرباز جامعة بسكرة-حين يصبح صندوقُ الاقتراعِ مرآةً لخرابِ العقول.
في كل موسم انتخابي، يخرج من تحت رماد الصمت جيشٌ من الحالمين بالكراسي، لا بالكفاءة، ولا بالمشاريع، ولا بخدمة الناس، بل بذلك البريق الخادع الذي يصنعه المنصب في أعين العاجزين عن صناعة المجد بأيديهم. فجأة يصبح الجميع رجال دولة، ويتحول كل عابر سبيل إلى خبير في الاقتصاد والسياسة والعمران، وكأن الوطن لم يكن ينقصه سوى ظهورهم المبارك على الجدران واللافتات.
ولعل أكثر ما يثير الضحك حدّ البكاء أن بعض المترشحين لا يحملون من شروط القيادة إلا الرغبة فيها، ولا من أدوات التسيير إلا الثقة المفرطة بالنفس. يتحدثون عن التنمية كما يتحدث طفل عن قيادة سفينة وسط إعصار، ويعدون الناس بالمعجزات كما لو كانوا يوزعون مفاتيح الجنة لا برامج انتخابية.
لقد التقط الشعر الشعبي هذه المأساة الساخرة منذ زمن، فحوّلها إلى مرآة يرى فيها المجتمع وجهه الحقيقي. كان يضحك، لكنه يوجع. وكان يسخر، لكنه يفضح. لأن الكوميديا في أوطاننا ليست فنًا، بل واقعًا يوميًا يمشي على قدمين.
المشكلة ليست في الذين يطمعون في المناصب، فالطمع قديم قدم الإنسان، وإنما في الذين يحولون الانتخابات إلى سوق للعروش والقرابات والمجاملات. هناك حيث تموت الكفاءة أمام شجرة النسب، ويُهزم البرنامج أمام اسم العائلة، ويُدفن المستقبل تحت أقدام العصبية الضيقة.
في تلك اللحظة لا يعود السؤال: من الأصلح؟ بل يصبح: من ابن جماعتنا؟ ومن يحمل لقبنا؟ ومن يجلس معنا في الأعراس والمناسبات؟ وهنا تبدأ الكارثة الحقيقية. فالأوطان لا تسقط بسبب نقص الأموال، بل بسبب غياب العدالة في اختيار الرجال.
ويا للمفارقة المؤلمة! الجميع يشتكي من تدهور الخدمات، والجميع يلعن الفساد وسوء التسيير، لكن كثيرين يعودون يوم الانتخاب ليمنحوا أصواتهم للعروشية نفسها التي أنتجت الأزمة. كأننا نزرع الشوك ثم نستغرب لماذا تنزف أقدامنا كلما سرنا.
إن الوطن ليس قبيلة كبيرة، والبلدية ليست إرثًا عائليًا، والمجلس المنتخب ليس مجلس وجهاء لتوزيع الامتيازات. الوطن فكرة أكبر من الأسماء، وأوسع من العائلات، وأبقى من المصالح العابرة.
وكم يبدو المشهد ساخرًا حين ترى أصحاب الشهادات والخبرات يقفون في آخر الصف، بينما يتقدم إلى الواجهة من لم يقرأ من السياسة إلا أسماءها، ومن لم يعرف من الإدارة إلا أبوابها المغلقة. عندها تدرك أن الأزمة ليست في المرشحين وحدهم، بل في ثقافة جعلت الولاء أهم من الكفاءة، والانتماء أهم من الإنجاز.
نحن لا نخسر الانتخابات يوم إعلان النتائج، بل نخسرها يوم نختزل الوطن في العرش، والكفاءة في القرابة، والمستقبل في مجاملة عابرة. ومن يومها يبقى الكرسي رابحًا، ويبقى الوطن هو الخاسر الأكبر.