
قراءة نقدية في مرثية الوجع للشاعر طاهر مشي بقلم سعيدة بركاتي ناقدة تونسية
قراءة نقدية في قصيدة مرثية الوجع للشاعر : طاهر مشي / تونس
بقلم الأستاذة سعيدة بركاتي/ تونس
من وقود الحزن إلى صعود الشهادة : المرثية الوطنية في شعر الشاعر التونسي طاهر مشي
قراءة في بنية الألم وتحولاته
#القراءة:
من وقود الحزن إلى صعود الشهادة : المرثية الوطنية في شعر طاهر مشي
قراءة في بنية الألم وتحولاته
++ عتبة الدخول
يُعدّ العنوان عند الناقد جيرار جينيت “عتبة” العبور إلى المتن ، هو أول ما يتلقاه القارئ فيشكّل أفق انتظاره ويوجّه قراءته . وعنوان هذه القراءة مركّب تركيباً غائياً قائماً على أداة الغاية “من… إلى” ، فيرسم مساراً دلالياً كاملاً قبل الولوج في الأبيات .
+ “من وقود الحزن” : نقطة الانطلاق والقاع الوجداني
مستلّة من قول الشاعر : ” بأنَّ الحزنَ في صدري وقودُ ” . والوقود مادة قابلة للاشتعال تولّد الطاقة . لكن الشاعر قلب الدلالة المعجمية ؛ فالحزن في المألوف نارٌ مُحرقة تُفني صاحبها ، لكنه هنا غدا وقوداً مُشغّلاً لنص القصيدة . فالنص لا يبتدئ من السكون ، بل من ذروة الاشتعال . ولفظة “وقود” تبشّر بأن هذا الحزن لن يبقى كامناً ، بل سيُستهلك ويتحوّل إلى فعلٍ شعري .
+ “إلى صعود الشهادة” : نقطة الغاية والقمة المعنوية
مقتبسة من خاتمة النص : “وفي آثارِكُنَّ لنا صعودُ” . والصعود عكس الهبوط والسقوط ، وقد ورد في النص “هوى الركبُ المثقَّلُ” : فإذا كان الموت هبوطاً مادياً ، فإن الشهادة صعود روحي ؛ ولفظة “الشهادة” نقلة نوعية من الحزن الوجداني إلى المقام العقائدي . فالشاعر يأبى أن يختم نصه عند موت الأجساد ، فيسمو بالضحايا إلى مرتبة “الشهداء والشهود” .
+ أداة “من… إلى” : بنية التحول والارتقاء
تصنع هذه الأداة حركة درامية داخلية . فالعنوان بذاته قصيدة مصغّرة ، يختصر بنية النص على النحو الآتي :
الحزن الكامن / الحزن المشتعل وقوداً / الفجيعة والموت / الأثر الباقي / الصعود والشهادة
فكأن العنوان يوجّه خطاباً ضمنياً : “لا تقف عند سواد البداية ، فإن الغاية بيضاء” ، وهو ما يميّز هذه المرثية عن مراثي اليأس المطلق .
#مقدمة:
المرثية في الشعر العربي وثيقة وجدانية و وطنية ومنذ الخنساء وهي ترثي أخاها صخراً بقولها : ” أَعَينَيَّ جودا وَلا تَجمُدا / أَلا تَبكِيانِ لِصَخرِ النَدى “، إلى شعراء العصر الحديث وهم يرثون الأوطان ، ظلّ الحزن وقوداً للقصيدة . وفي “مرثية الوجع” لطاهر مشي ، يتحول الحزن من لوعة شخصية إلى صراخ وطن ، ومن رثاء فردي إلى تأبين جماعي ، لينتهي النص بمقام الشهادة والصعود .
#التحليل:
يفتتح الشاعر قصيدته بنداء استنكاري : ” أيا وطنَ الجراحِ أما كفاك ” : “وطن الجراح” إضافة عميقة جعلت الجرح هوية لا عارضاً . ويقترب هذا من خطاب نزار قباني في “قصيدة القدس” : ” قدس ، يا مدينة الأحزان / يا دمعةً كبيرةً تجول في الأجفان / لكن طاهر مشي يحاسب وطنه عتاباً مرّاً ، لا يعتذر له .
حين نتقدم في القراءة نكتشف أن الشاعر طاهر مشي يعلن عن سرّ قصيدته : “الحزنَ في صدري وقودُ” : نقلة بلاغية ؛ تشبه قول أبي فراس الحمداني في الأسر : “أراك عصيّ الدمع شيمتك الصبر”، فالحزن عنده وقود للصمود . لكن يجعله وقوداً للشهادة الجماعية لا للفخر الفردي : وقود الحزن كطاقة سردية .
حين نقرأ النص تزامنا مع الحادثة فسنقر جميعنا دون استثناء عن قوته في واقعيته : “خرجنَ مع الضياءِ ولم يُرِدْنَ سوى عيشٍ به الشرفُ المشيدُ”، و “وفي كفّيهنَّ الخبزُ السعيدُ” : ينزع الشاعر هالة البطولة الأسطورية ليُعيدهن إلى بساطة الحياة . ” كادحات هن ، صديقات الفجر و شروق الشمس ، قوتهن كسرة خبز و ما تيسر … وهذا قريب من تصوير محمود درويش لشهداء الانتفاضة : “على هذه الأرض ما يستحق الحياة … رغيف يجزّئه اثنان”. درويش يمجّد التفاصيل ، وطاهر مشي يبكيها حين تُسلب . يوم مقدس لصور الضحايا .
حين “هوى الركبُ المثقَّلُ بالأماني” لا يبكي البشر وحدهم : “كأنَّ الشمسَ أغمضتِ المآقي… بكتْهُنَّ السنابلُ” . هذا “تشخيص الكون” سمة أصيلة في المرثية عموما : قالت الخنساء : “وإن صخراً لتأتم الهداة به كأنه علم في رأسه نار”. وإيليا أبو ماضي
أتراك والأيام من أعدائي؟ يا ليل مالك لا ترق لحالتي
. طاهر يسير على الدرب نفسه : موت الأم يعني إغلاق الشمس لعينيها : بكاء الكون : أسطرة الفاجعة .
العظيم في المرثية أنها لا تنتهي عند “ينادي : أينَ أمّي؟”. بعد القاع يأتي التحوّل : “سلامًا أيّتُها الأرواحُ طِبْنَ… فما ماتتْ سواعدُكنَّ يومًا وفي آثارِكُنَّ لنا صعودُ”. يخرج من جنس الرثاء إلى جنس الحماسة ، كما فعل المتنبي : “هو الموت فاختر ما لك الصبر أو جَزَع”، وسميح القاسم : “سأحمل روحي على راحتي وألقي بها في مهاوي الردى”. الموت عندهم ليس نهاية ، بل بداية الأثر : من البكاء إلى الصعود : الشهادة .
#الخاتمة:
“مرثية وجع” لطاهر مشي تتجاوز كونها نصاً حزينا إلى أن تكون شهادةً شعريةً على زمنٍ مثقل بالفقد . فقد نجح الشاعر في تحويل الوجع من انفعالٍ فرديٍّ عابر إلى معنى جمعي راسخ ، فجعل من الألم مادة للخلق ، ومن الدمع وزناً للقصيدة ، ومن الفقد طريقاً إلى المعنى .
بدأ قصيدته بوصف القاع : وطنٌ جريح ، وقلوبٌ عليلة ، ومراكبُ تغرق … ثم ارتقى به رويداً حتى حوّله إلى قمةٍ معنوية ، إذ ختمه بنداء الصبر والنهوض : “فالحق يعلو والباطل يزول”. فالقصيدة بذلك ليست رثاء استسلام ، بل رثاء مقاومة ؛ تبكي الميت كي توقظ الحي .
وبذلك تلتحق “مرثية وجع” بركب المراثي الخالدة التي لا تبكي على الأطلال، بل تبني من الأطلال منارة . وكما قال المتنبي: “وما الدهر إلا من رواة قصائدي” .
يتضح جليا مما تقدم ذكره ، أن “مرثية الوجع” قصيدة عبور ، عبرت من الحزن الفردي إلى الوجع الجماعي ، ومن وصف الموت إلى صناعة المعنى . نجح الشاعر طاهر مشي في أن يجعل “الخبز السعيد” أيقونة ، وأن يجعل “صعود الشهادة” خاتمة . فالحزن عنده لم يكن وقود احتراق ، بل وقود ارتفاع . وبذلك التحق النص بقافلة المرثيات الخالدة التي بدأتها الخنساء ، وجدّدها نزار ودرويش وسميح ، ليكون راوي وجع أمة ، ليقول : نحن نموت ، لكن آثارنا سُلّم ، و ستبقى القصيدة تُقرأ ما دام الوجع فينا ، وما دام فينا من يحول الوجع إلى صعود .
#النص:
مرثية الوجع
ااااااااااااااااا
أيا وطنَ الجراحِ أما كفاكا
بأنَّ الحزنَ في صدري وقودُ
فكم فجعتْ ربوعُكَ كلَّ يومٍ
وكم نُكِئَتْ من الآلامِ عودُ
خرجنَ مع الضياءِ ولم يُرِدْنَ
سوى عيشٍ به الشرفُ المشيدُ
مضينَ على دروبِ الكدحِ صبرًا
ويحدوهنَّ للأملِ البعيدُ
إذا اشتدَّ الزمانُ عليهنَّ قهرًا
فصبرُ الصالحاتِ هو الصمودُ
حملنَ الهمَّ في صمتٍ نبيلٍ
وفي كفَّيْهِنَّ الخبزُ السعيدُ
فما بلغَ المسيرُ بهنَّ أفقًا
ولا اكتملَ الرجاءُ ولا الوعودُ
أتتهنَّ المنايا وهي تُخفي
وراءَ الغيبِ ما اللهُ يريدُ
هوى الركبُ المثقَّلُ بالأماني
وضجَّ من المصيبةِ كلُّ عودُ
كأنَّ الشمسَ أغمضتِ المآقي
وخفَّ بريقُها وخبا الوقودُ
بكتْهُنَّ السنابلُ في الحقولِ
وما اعتادتْ مآتمَها الورودُ
وأبصرَ كلُّ طفلٍ بابَ دارٍ
وليسَ يجيبُه الوجهُ الودودُ
ينادي: أينَ أمّي؟ ثم يمضي
ويخنقُ صوتَه الألمُ الشديدُ
سلامًا أيّتُها الأرواحُ طِبْنَ
فأنتنَّ الشهائدُ والشهودُ
فما ماتتْ سواعدُكنَّ يومًا
وفي آثارِكُنَّ لنا صعودُ
اااااااااااااااااااااااااااااا
طاهر مشي
#المراجع:
https://www.google.com/search?q=%D8%AC%D9%8A%D8%B1%D8%A7%D8%B1+%D8%AC%D9%8A%D9%86%D9%8A%D8%AA+%D9%85%D8%AF%D8%AE%D9%84+%D9%84%D8%AC%D8%A7%D9%85%D8%B9+%D8%A7%D9%84%D9%86%D8%B5&oq=%D8%AC%D9%8A%D8%B1%D8%A7%D8%B1+%D8%AC%D9%8A%D9%86%D9%8A%D8%AA&gs_lcrp=EgZjaHJvbWUqBwgDEAAYgAQyCggAEAAY4wIYgAQyBwgBEC4YgAQyBwgCEAAYgAQyBwgDEAAYgAQyBwgEEAAYgAQyBwgFEAAYgAQyBwgGEAAYgAQyBwgHEAAYgAQyBwgIEAAYgAQyBwgJEAAYgAQyCggKEAAYChgWGB4yCAgLEAAYFhgeMggIDBAAGBYYHjIICA0QABgWGB4yCAgOEAAYFhge0gEJMTk5NDlqMGo0qAIOsAIB8QU1U75XtYzElg&client=ms-android-samsung-rvo1&sourceid=chrome-mobile&ie=UTF-8
https://www.aldiwan.net/poem21068.html
https://www.aldiwan.net/poem6530.html
https://www.goodreads.com/quotes/185325
https://x.com/TurkiAldakhil/status/1854104476778406376
https://almotnbi.com/p/73







